قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ بالموصل شيخ صَالح يعرف بعمر الملاء سمي
[ ٢ / ١٧١ ]
بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يمْلَأ تنانير الجص بِأُجْرَة يتقوَّت بهَا وكل مَا عَلَيْهِ من قَمِيص ورداء وَكِسْوَة وَكسَاء قد ملكه سواهُ واستعاره فَلَا يملك ثَوْبه وَلَا إزَاره وَكَانَ لَهُ شَيْء فوهبه لأحد مريديه وَهُوَ يتجر لنَفسِهِ فِيهِ فَإِذا جَاءَهُ ضيف قراه ذَلِك المريد وَكَانَ ذَا معرفَة بِأَحْكَام الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة
وَكَانَ الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء والملوك والأمراء يزورونه فِي زاويته ويتبركون بهمته ويتيمنَّون ببركته وَله كل سنة دَعْوَة يحتفل بهَا فِي أَيَّام مولد رَسُول الله ﷺ يحضرهُ فِيهَا صَاحب الْموصل ويحضر الشُّعَرَاء وينشدون مدح رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك المحفل
وَكَانَ نور الدّين من أخص محبيه يستشيره فِي حُضُوره ويكاتبه فِي مصَالح أُمُوره وَكَانَت بالموصل خربة وَاسِعَة فِي وسط الْبَلَد أشيع عَنْهَا أَنه مَا شرع فِي عمارتها إِلَّا من ذهب عمره وَلم يتم على مُرَاده أمره فَأَشَارَ الشَّيْخ عمر على نور الدّين بابتياعها وَرفع بنائها جَامعا تُقَام فِيهِ الْجمع وَالْجَمَاعَات فَفعل وَأنْفق فِيهِ أَمْوَالًا كَثِيرَة ووقف عَلَيْهِ ضَيْعَة من ضيَاع الْموصل ورتب فِيهِ خَطِيبًا ومدرسًا وَكَانَ قد وصل فِي تِلْكَ السّنة وافدا الْفَقِيه عماد الدّين أَبُو بكر النوقاني الشَّافِعِي من أَصْحَاب الإِمَام مُحَمَّد بن يحيى فَسَأَلَهُ أَن يكون مدرسًا فِي ذَلِك الْجَامِع وَكتب لَهُ
[ ٢ / ١٧٢ ]
بِهِ منشورًا
قَالَ وَحضر مُجَاهِد الدّين قايماز صَاحب إربل فِي الْخدمَة النورية فِي الْموصل وَكَانَ دُخُولهمْ إِيَّاهَا فِي بحبوحة الشتَاء فَكتب الْعِمَاد إِلَى بعض كبراء الْموصل قصيدة مِنْهَا
(مَا يمْنَع الْخَادِم من قَصده الْخدمَة غير الطّرق والوحل)
(كَأَنَّمَا موصلكم مقطع مَا يَهْتَدِي فِيهِ إِلَى وصل)
(وكلّ مَعْرُوف بهَا مُنكر كَمَا ترَاهُ ضيّق السّبل)
(وكل من حلّ بهَا لَا يرى فِي زمن الخصب سوى الْمحل)
(ومذ دخلناها حصلنا بهَا كَرهًا على خرج بِلَا دخل)
(أصعب مَا نَلْقَاهُ من أَهلهَا قَول بِلَا أهل وَلَا سهل)
(وَكنت أهواها ولكنني لقِيت مِنْهَا كلّ مَا يسلى)
(وانت من أصبح إحسانه حلية هَذَا الزَّمن العُطل)
قَالَ وَعَاد نور الدّين إِلَى سنجار فَأَعَادَ عمَارَة أسوارها ثمَّ أَتَى حرّان وَقد اقتطعها عَن صَاحب الْموصل هِيَ ونصيبين والخابور والْمِجْدل وَوصل حلب فِي خَامِس رَجَب
[ ٢ / ١٧٣ ]
وَقَالَ ابْن شدّاد دخل حلب فِي شعْبَان وزوّج صَاحب الْموصل ابْنَته
قَالَ الْعِمَاد وفوّض الْقَضَاء والحُكم بنصيبين وسنجار والخابور إِلَى الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون فولّى بهَا نوابه وحكّم فِيهَا أَصْحَابه
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما صَارَت الْموصل إِلَى سيف الدّين ابْن أخي نور الدّين كَانَ قد استولى عَلَيْهِ وَتَوَلَّى أَمر الْبَلَد رجل يُقَال لَهُ عبد الْمَسِيح كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم وَقيل إِنَّه كَانَ بَاقِيا على نصرانيته وَله بيعَة فِي دَاره وتتبع أَرْبَاب الْعلم والدّين وشتتّهم وأبعدهم وآذى الْمُسلمين فَبلغ نور الدّين ذَلِك وكُتب لَهُ قصَص فِي ذَلِك فَسَار وَنزل على الْموصل من جَانب الشط والشط بَينه وَبَينهَا وَقَالَ لَا أقَاتل هَذِه الْبَلدة وأهتك حرمتهَا وَهِي لوَلَدي وراسل سيف الدّين وَقَالَ لَهُ أَنا لَيْسَ مقصودي الْبَلَد وَإِنَّمَا مقصودي حفظ الْبَلَد لَك فَإِنَّهُ قد كتب إِلَيّ فِي عبد الْمَسِيح كَذَا وَكَذَا ألف قصَّة بِمَا يفعل مَعَ الْمُسلمين وَإِنَّمَا مقصودي أزيل هَذَا النَّصْرَانِي عَن ولَايَة الْمُسلمين
قَالَ وَعبد الْمَسِيح يدبر الْبَلَد ويدور فِيهِ وَالْأَمر إِلَيْهِ وبذل الصُّلْح لنُور الدّين فَقَالَ نور الدّين أَنا قد جِئْت وَلَا بُد لي من دُخُول الْبَلَد فَقَالَ نعم لَا يدْخل إِلَّا من بَاب السِّر فَقَالَ نور الدّين مَا أَدخل إِلَّا من بَاب السِّرّ
[ ٢ / ١٧٤ ]
فجرت بَين نور الدّين وَبَين ابْن أَخِيه مراسلات إِلَى أَن علم أَن نِيَّته صَالِحَة فَصَالحه فِي السِّرّ وَركب عبد الْمَسِيح وَخرج يَدُور بَين السورين فَجَاءَهُ بعض أَصْحَابه وَقَالَ لَهُ أَنْت نَائِم دمُك قد رَاح وَأَنت غافل فَقَالَ مَا الْخَبَر فَقَالَ سيف الدّين قد صَالح عَمه وَأَنت فِي مُقَابلَة نور الدِّين فجَاء وَدخل على سيف الدّين وَألقى شربوشه بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ أَنْت قد صالحت عمك وَقد علمت مَا عملت فِي حفظ بلدك وَمَا لي طَاقَة بِمُقَابلَة نور الدّين فَالله الله فِي دمي فَقَالَ لَهُ مَا لي طَاقَة بِدَفْعِهِ عَنْك وَلَكِن عَلَيْك بالشيخ عمر الملاء فَقَالَ وَالله لَو مضيت إِلَيْهِ لم يفتح لي لعلمه بِمَا جرى مِنْهُ فِي حق الْمُسلمين وَلَكِن تسير أَنْت إِلَيْهِ لم يفتح لي لعلمه بِمَا جرى مِنْهُ فِي حق الْمُسلمين وَلَكِن تسيِّر أَنْت إِلَيْهِ فسير سيف الدّين إِلَيْهِ واستحضره وَكَانَ معتكفا فَقَالَ لَهُ مَا الْخَبَر فَقَالَ سيف الدّين لعبد الْمَسِيح مِنْك إِلَيْهِ فَوقف بَين يَدَيْهِ يبكي فَالْتَفت إِلَيْهِ عمر وَقَالَ من يعادى الرِّجَال يبكي مثل النِّسَاء فَقَالَ لَهُ قد تمسكت بك وأطلب مِنْك حقن دمي فَقَالَ أَنْت آمن على دمك فَقَالَ وعَلى مَالِي فَقَالَ وعَلى مَالك قَالَ وعَلى أَهلِي فَقَالَ وعَلى أهلك
وَكَانَ شرف الدّين بن أبي عصرون مَعَ نور الدّين حِينَئِذٍ فَقَالَ سيف الدّين لعمر الملاء تخرج تحلِّف نور الدّين فأحضر الْفُقَهَاء وَعمِلُوا لَهُ
[ ٢ / ١٧٥ ]
نُسْخَة يَمِين ونسخة يَمِين لعبد الْمَسِيح فَأَخذهُمَا عمر وَخرج إِلَى نور الدّين فَقَامَ نور الدّين وَخرج من خيمته والتقاه وأكرمه فَقَالَ لَهُ عمر النَّاس يعلمُونَ حُسْن عقيدتك فيّ وَقد خرجت فِي كَذَا وَكَذَا وناوله النُّسْخَة الَّتِي تتَعَلَّق بِسيف الدّين فقرأها وناولها لِابْنِ أبي عصرون فَقَالَ نُسْخَة جَيِّدَة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عمر الملاء إيش تَقول فِي هَذِه النُّسْخَة فَقَالَ جَيِّدَة فَقَالَ إِذا حلف بهَا على هَذَا الْوَجْه أَلَيْسَ أَنَّهَا تقع لَازِمَة فَقَالَ بلَى فَقَالَ للحاضرين اشْهَدُوا على الشَّيْخ بذلك يُشِير إِلَى أَن نور الدّين كَانَ تجْرِي مِنْهُ أَيْمَان فِي وقائع وَكَانَ ابْن أبي عصرون يفتيه بِالْخرُوجِ مِنْهَا فقيَّد عَلَيْهِ القَوْل فَأجَاب نور الدّين إِلَى ذَلِك فَقَالَ لَهُ قد علم النَّاس حسن عقيدتك فيّ وَأَن قولي مسموع عنْدك وَقد خرجت إِلَيْك وَلَا بُد لي من ضِيَافَة قَالَ كَيفَ لي بذلك وَأَنت لَا تَأْكُل طَعَامي وَلَا تقبل مني شَيْئا فَقَالَ تحلف لي بِهَذِهِ النُّسْخَة فَوقف عَلَيْهَا وَتغَير وَجهه وَقَالَ أَنا مَا جِئْت فِي هَذَا لأخلص الْمُسلمين مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عمر فَمَا نطلب مِنْك أَن توليه على الْمُسلمين فَقَالَ قد أمنته على نَفسه فَقَالَ وعَلى أَهله فَقَالَ وَمن أَهله قَالَ نَصَارَى فَقَالَ أمنتهم فَقَالَ وعَلى مَاله فَقَالَ وَمن أَيْن لهَذَا الْكَلْب مَال هَذَا مَمْلُوك لنا فَقَالَ قد أُعتق وَمَاله لَهُ وَهُوَ الْيَوْم كَانَ صَاحب الْموصل فَقَالَ قد أمنته على مَاله فَحلف على ذَلِك جَمِيعه واستقرّ الصُّلْح
وَخرج سيف الدّين إِلَى خدمَة نور الدّين فَوقف بَين يَدَيْهِ فَأكْرمه نور
[ ٢ / ١٧٦ ]
الدّين وَكَانَ وَصله خلعة أَمِير الْمُؤمنِينَ فخلعها عَلَيْهِ فَدخل إِلَى الْموصل بهَا وانتقل إِلَى جَانب الشط الآخر وَلم يدْخل إِلَى الْموصل إِلَى أَن جَاءَ مطر شَدِيد جدّاَ فَدخل من بَاب السِّرّ إِلَيْهَا وَأقَام بهَا مُدَّة ورتب أمورها وَولي فِيهَا كمشتكين فَرَأى النَّبِي ﷺ ذَات لَيْلَة فِي الْمَنَام وَهُوَ يَقُول لَهُ جِئْت إِلَى بلدك وطاب لَك الْمقَام بِهِ وَتركت الْجِهَاد وقتال أَعدَاء الدّين فَاسْتَيْقَظَ من مَنَامه وَسَار سحرة ذَلِك الْيَوْم وَلم يلبث وَلم يعلم بِهِ أَكثر النَّاس حَتَّى خرج ولحقوه رَحمَه الله تَعَالَى