وصل الْخَبَر بِمَوْت الإِمَام المستنجد بِاللَّه أبي المظفر يُوسُف بن المقتفي ونورُ الدّين مخيم بشرقي الْموصل بتل تَوْبَة وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت تَاسِع ربيع الآخر وبويع ابْنه المستضيء بِأَمْر الله أَبُو مُحَمَّد الْحسن
وَكَانَ مولد المستنجد مستهل ربيع الآخر سنة عشر وَخمْس مئة وَكَانَت خِلَافَته إِحْدَى عشرَة سنة وَسِتَّة أَيَّام وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس وَهَذَا الْعدَد لَهُ بِحِسَاب الجمَّل اللَّام وَالْبَاء وَفِيه يَقُول بعض الأدباء
(أَصبَحت لب بني الْعَبَّاس كلهم إِن عددت بِحِسَاب الجمَّل الخلفا)
وَكَانَ أسمر تَامّ الْقَامَة طَوِيل اللِّحْيَة وَكَانَ من أحسن الْخُلَفَاء سيرة
[ ٢ / ١٧٧ ]
مَعَ الرّعية كَانَ عادلا فيهم كثير الرِّفْق بهم وَأطلق من المكوس كثيرا وَلم يتْرك بالعراق مكسا وَكَانَ شَدِيدا على أهل العيث وَالْفساد والسعاية بِالنَّاسِ
قَالَ ابْن الْأَثِير بَلغنِي أَنه قبض على إِنْسَان كَانَ يسْعَى بِالنَّاسِ وَيكْتب فيهم السِّعايات فَأطَال حَبسه فَحَضَرَ بعض أَصْحَابه وشفع فِيهِ وبذل عَنهُ عشرَة آلَاف دِينَار فَقَالَ لَهُ أَنا أُعْطِيك عشرَة آلَاف دِينَار وتحضر لي إنْسَانا آخر مثله أحبسه لأكفَّ شَره عَن النَّاس
وَتُوفِّي فِي أَيَّامه شيخ الشُّيُوخ إِسْمَاعِيل بن أبي سعد وَصَارَ بعده ابْنه صدر الدّين عبد الرَّحِيم شيخ الشُّيُوخ وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين
وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين توفّي مُحَمَّد بن نصر القيسراني وَأحمد بن مُنِير الشاعران وَقد تقدم ذَلِك
وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين توفّي الْحَكِيم أَبُو الحكم الشَّاعِر الأندلسي
وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين توفّي الوأواء الشَّاعِر الْحلَبِي
[ ٢ / ١٧٨ ]
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ توفّي الشَّيْخ أَبُو النجيب الصُّوفِي الْفَقِيه الْوَاعِظ
قَالَ الْعِمَاد وجاءنا رسل دَار الْخلَافَة مبشرين بخلافة المستضيء وَاتفقَ ذَلِك يَوْم عبور دجلة وَركب يَوْم النُّزُول على تل تَوْبَة فِي الأهبة السَّوْدَاء وَالْيَد الْبَيْضَاء وَذَلِكَ بمرأى ومنظر من أهل الْموصل الحدباء ثمَّ أرسل الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون إِلَى بَغْدَاد نَائِبا عَنهُ فِي خدمَة الإِمَام
وَمِمَّا نظمه الْعِمَاد فِيهِ
(قد أَضَاء الزَّمَان بالمستضيء وَارِث الْبرد وَابْن عَم النبيء)
(جَاءَ بِالْحَقِّ والشريعة وَالْعدْل فيا مرْحَبًا بِهَذَا الْمَجِيء)
(فهنيئًا لأهل بَغْدَاد فازوا بعد بؤس بِكُل عَيْش هنيء)
(ومضيء إِن كَانَ فِي الزَّمن المظلم فالعود فِي الزَّمَان المضيء)
وَله من قصيدة أُخْرَى
(لهفي على زمن الشَّبَاب فإنني بسوى التأسف عَنهُ لم أتعوض)
(نقضت عهود الغانيات وَإِنَّهَا لَوْلَا انْقِضَاء شبيبتي لم تنقض)
[ ٢ / ١٧٩ ]
(يَا حسن أَيَّام الصِّبَا وَكَأَنَّهَا أَيَّام مَوْلَانَا الإِمَام المستضى)
(ذُو الْبَهْجَة الزهراء يشرق نورها والطلعة الغراء وَالْوَجْه الوضيَ)
(قَسَم السَّعَادَة والشقاوة ربُّنا فِي الْخلق بَين محبِّه والمبغض)
وَمِنْهَا
(فضل الخلائف وَالْخَلَائِق بالتقي وَالْفضل والإفضال والخُلق الرضي)
(فانعم أَمِير الْمُؤمنِينَ بدولة مَا تَنْتَهِي وسعادة مَا تَنْقَضِي)
قَالَ وَوصل نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى دمشق وَأدّى فرض الصّيام وَخرج بعد الْعِيد إِلَى الْخيام وَأخرج سرادقه إِلَى جسر الْخشب وسرنا إِلَى عشترا
ثمَّ ذكر الْعِمَاد هُنَا سيرة سرّية صَاحب البيرة الأرتقي باللبوة وَقد مَضَت فِي أَخْبَار سنة خَمْسَة وَسِتِّينَ فَثَمَّ ذكرهَا ابْن الْأَثِير