وَفِي عَاشر رَمَضَان سنة خمس وَثَمَانِينَ قتل الْوَزير نظام الْملك أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن إِسْحَاق قَتله صبي ديلمي بعد الْإِفْطَار وَقد تفرق عَن طَعَامه الْفُقَهَاء والأمراء والفقراء وَغَيرهم من أَصْنَاف النَّاس وَحمل فِي محفة لنقرس كَانَ بِهِ إِلَى خيمة الْحرم فَلَقِيَهُ صبي ديلمي مستغيثا بِهِ فقربه مِنْهُ ليسمع شكواه فَقتله وَقتل الصَّبِي أَيْضا فعدمت الدُّنْيَا وَاحِدهَا الَّذِي لم تَرَ مثله
وَكَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة قد حكى لَهُ بعض الصَّالِحين أَنه رأى
[ ١ / ٩٧ ]
النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ أَتَاهُ وَأَخذه من محفته فَتَبِعَهُ
فَاسْتَبْشَرَ نظام الْملك بذلك وَأظْهر السرُور بِهِ وَقَالَ هَذَا أبغي وإياه أطلب
وَبلغ من الدُّنْيَا مبلغا عَظِيما لم ينله غَيره وَكَانَ عَالما فَقِيها دينا خيرا متواضعا عادلا يحب أهل الدّين ويكرمهم ويجزل صلَاتهم
وَكَانَ أقرب النَّاس مِنْهُ وأحبهم إِلَيْهِ الْعلمَاء وَكَانَ يناظرهم فِي المحافل ويبحث عَن غوامض الْمسَائِل لِأَنَّهُ اشْتغل بالفقه فِي حَال حداثته مُدَّة
وَأما صدقاته ووقوفه فَلَا حد عَلَيْهَا ومدارسه فِي الْعَالم مَشْهُورَة لم يخل بلد من شَيْء مِنْهَا حَتَّى جَزِيرَة ابْن عمر الَّتِي هِيَ فِي زَاوِيَة من الأَرْض لَا يؤبه لَهَا بنى فِيهَا مدرسة كَبِيرَة حَسَنَة وَهِي الَّتِي تعرف الْآن الْآن بمدرسة رَضِي الدّين
وأعماله الْحَسَنَة وصنائعه الجميلة مَذْكُورَة فِي التواريخ لم يسْبقهُ من كَانَ قبله وَلَا أدْركهُ من كَانَ بعده
وَكَانَ من جملَة عباداته أَنه لم يحدث إِلَّا تَوَضَّأ وَلَا تَوَضَّأ إِلَّا صلى
وَكَانَ يقْرَأ الْقُرْآن حفظا ويحافظ على أَوْقَات الصَّلَوَات مُحَافظَة لَا يتقدمه فِيهَا المتفرغون لِلْعِبَادَةِ حَتَّى إِنَّه كَانَ إِذا غفل الْمُؤَذّن أمره بِالْأَذَانِ وَإِذا سمع الْأَذَان أمسك عَن كل مَا هُوَ فِيهِ واشتغل بإجابته ثمَّ بِالصَّلَاةِ
وَكَانَ قد وزر للسُّلْطَان عضد الدولة ألب أرسلان وَالِد ملكشاه قبل أَن يَلِي السلطنة فِي حَيَاة عَمه السُّلْطَان طغرلبك أول الْمُلُوك السلجوقية بِبَغْدَاد
فَلَمَّا توفى طغرلبك سعى نظام الْملك فِي أَخذ السلطنة لصَاحبه ألب أرسلان وَقَامَ الْمقَام الَّذِي تعجز عَنهُ الجيوش الْكَثِيرَة واستقرت السلطنة لَهُ وبقى مَعَه إِلَى أَن توفى ثمَّ وزر بعده لوَلَده السُّلْطَان ملكشاه إِلَى أَن قتل
وَكَانَ قد تحكم عَلَيْهِ إِلَى حد لَا يقدر السُّلْطَان على خِلَافه لِكَثْرَة مماليكه
[ ١ / ٩٨ ]
ومحبة العساكر لَهُ والأمراء وميل الْعَامَّة والخاصة إِلَيْهِ لحسن سيرته وعدله
هَذَا كَلَام أبي الْحسن بن الْأَثِير
وقرأت فِي = كتاب المعارف الْمُتَأَخِّرَة = وَيُسمى عنوان السّير لمُحَمد بن عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم الهمذاني قَالَ وزر نظام الْملك أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن إِسْحَاق الطوسي للسُّلْطَان ألب أرسلان ولولده السُّلْطَان ملكشاه أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَقتل بِالْقربِ من نهاوند وعمره سِتّ وَسَبْعُونَ سنة وَعشرَة أشهر وَتِسْعَة عشر يَوْمًا اغتاله أحد الباطنية وَقد فرغ من فطوره قَالَ وَقيل إِن السُّلْطَان ملكشاه ولف عَلَيْهِ من قَتله لانه سئم طول عمره وَمَات بعده بِشَهْر وَخَمْسَة أَيَّام
وَقد تقدم نظام الْملك فِي الدُّنْيَا التَّقَدُّم الْعَظِيم وَأفضل على الْخلق الإفضال الْكثير وَعم النَّاس بمعروفه وَبنى الْمدَارِس لأَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁ ووقف عَلَيْهِم الْوُقُوف وَزَاد فِي الْحلم وَالدّين على من تقدمه من الوزراء وَلم يبلغ أحد مِنْهُم مَنْزِلَته فِي جَمِيع أُمُوره وَعبر جيحون فَوَقع على الْعَامِل بأنطاكية بِمَا يصرف إِلَى الملاحين وَملك من الغلمان الأتراك ألوفا وَكَانَ جُمْهُور العساكر وشجعانهم وفتاكه من مماليكه
[ ١ / ٩٩ ]
قلت وَأنْشد أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي = ذيل تَارِيخ بَغْدَاد = قَالَ أَنْشدني عمي الإِمَام أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ غير مرّة من لَفظه للأمير شبْل الدولة يَعْنِي مقَاتل بن عَطِيَّة بن مقَاتل الْبكْرِيّ
(كَانَ الْوَزير نظام الْملك لؤلؤة ثمينة صاغها الرَّحْمَن من شرف)
(عزت وَلم تعرف الْأَيَّام قيمتهَا فردّها غيرَة مِنْهُ إِلَى الصدف)