قَالَ الرئيس أَبُو يعلى تناصرت الْأَخْبَار بِظُهُور أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتفي على عَسْكَر السُّلْطَان الْمُخَالف لأَمره وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِ من عَسْكَر الْموصل وَغَيره بِحَيْثُ قتل مِنْهُم الْعدَد الْكثير ورحلوا عَن بَغْدَاد مفرقين مفلولين خاسرين بعد المضايقة والتناهي فِي المحاصرة والمصابرة
قَالَ ووردت الْأَخْبَار فِي أَوَائِل رَجَب بوفاة السُّلْطَان غياث الدُّنْيَا وَالدّين أبي الْحَارِث سنجر بن أبي الْفَتْح بن ألب أرسلان سُلْطَان خُرَاسَان عقيب خلاصه من الشدَّة الَّتِي وَقع فِيهَا والأسر الَّذِي حصل فِيهِ وَكَانَ يحب الْعدْل والإنصاف للرعايا حسن السِّيرَة جميل الْفِعْل وَقد علت سنه وَطَالَ عمره
وَكَانَ قد ورد كِتَابه فِي أَوَاخِر صفر من هَذِه السّنة إِلَى نور الدّين بالتشوق إِلَيْهِ والإحماد لخلاله وَمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ من جميل أَفعاله وإعلامه مَا من الله عَلَيْهِ بِهِ من خلاصه من الشدَّة الَّتِي وَقع فِيهَا والأسر الَّذِي بلَى بِهِ فِي أَيدي الْأَعْدَاء الْكَفَرَة من مُلُوك التركمان بحيلة دبرهَا وسياسة
[ ١ / ٣٥٩ ]
أحكمها وقررها بِحَيْثُ عَاد إِلَى منصبه من السلطنة الْمَشْهُورَة واجتماع العساكر المتفرقة عَنهُ إِلَيْهِ
قَالَ وَفِي شهر رَمَضَان ورد الْخَبَر من نَاحيَة حلب بوفاة الشَّيْخ مخلص الدّين أَبى البركات عبد القاهر بن على بن أَبى جَرَادَة الْحلَبِي وَهُوَ الْأمين على خَزَائِن مَال نور الدّين وَكَانَ كَاتبا بليغا حسن البلاغة نظما ونثرا مستحسن الْفُنُون من التذهيب البديع وَحسن الْخط الْمُحَرر على الْأُصُول الْقَدِيمَة المستظرفة مَعَ صفاء الذِّهْن وتوقد الفطنة والذكاء
وَقَالَ وَفِي رَابِع عشر شَوَّال ورد الْخَبَر من نَاحيَة بَصرِي بِأَن واليها فَخر الدّين سرخاك قتل غيلَة بموافقة من أَعْيَان خاصته وَكَانَ فِيهِ إفراط فِي التَّحَرُّز وَاسْتِعْمَال التيقظ وَلَكِن الْقَضَاء لَا يغالب وَلَا يدافع
قَالَ وَفِي أَوَائِل ذِي الْقعدَة ورد الْخَبَر من حمص بوفاة واليها الْأَمِير الملقب بصلاح الدّين وَكَانَ فِي أَيَّام شبيبته قد حظي فِي خدمَة عماد الدّين زنكي وَتقدم عِنْده بالمناصحة وسداد التَّدْبِير وَحسن السفارة وصواب الرَّأْي وَلما علت سنة ضعف عَن ركُوب الْخَيل وألجأته الضَّرُورَة إِلَى الْحمل فِي المحفة لتقرير الْأَحْوَال وَالنَّظَر فِي الْأَعْمَال وَلم ينقص من حسه
[ ١ / ٣٦٠ ]
وفهمه مَا يُنكر عَلَيْهِ إِلَى حِين وَفَاته وَخَلفه من بعده أَوْلَاده فِي منصبه وولايته
قَالَ وَورد إِلَى دمشق إِمَام من أَئِمَّة فُقَهَاء بَلخ فِي عنفوان شبابه وغضارة عوده مَا رَأَيْت أفْصح من لِسَانه ببلاغتيه الْعَرَبيَّة والفارسية وَلَا أسْرع من جَوَابه ببراعته وَلَا أطيش مِنْهُ قَلما فِي كِتَابَته أَبُو الْحَيَاة مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم بن عمر السّلمِيّ وَوعظ فِي جَامع دمشق عدَّة أَيَّام وَالنَّاس يستحسنون وعظه ويستظرفون فنه وسلاطة لِسَانه وَسُرْعَة جَوَابه وحدة خاطره وصفاء حسه
قَالَ ابْن الْأَثِير وفيهَا فِي ذِي الْحجَّة توفّي الْأَمِير عز الدّين أَبُو بكر الدبيسى صَاحب جَزِيرَة ابْن عمر وَكَانَ من أكَابِر الْأُمَرَاء ياخذ نَفسه ماخذ الْمُلُوك وَكَانَ عَاقِلا حازما ذَا رَأْي وَكيد ومكر وَملك الجزيرة قطب الدّين مودود بن زنكي صَاحب الْموصل أَخُو نور الدّين