قَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ شهَاب الدّين مُحَمَّد بن إلْيَاس بن إيلغازي بن أرتق صَاحب قلعة البيرة قد سَار فِي عسكره وهم مئتا فَارس إِلَى الْخدمَة النورية وَهُوَ بعشترا فَلَمَّا وصل إِلَى اللبوة وَهِي من أَعمال بعلبك ركب متصيدا فصادف ثَلَاث مئة فَارس من الفرنج قد سَارُوا للغارة على بِلَاد الْإِسْلَام وَذَلِكَ سَابِع عشر شَوَّال فَوَقع بَعضهم على بعض واقتتلوا وصبر الْفَرِيقَانِ لَا سِيمَا الْمُسلمُونَ لِأَن ألف فَارس مِنْهُم لَا تصبر لحملة ثَلَاث مئة فَارس من الفرنج وَكثر الْقَتْلَى بَينهم وَانْهَزَمَ الفرنج وعمهم الْقَتْل والأسر فَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا من لَا يعْتد بِهِ ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ وَلَكِنْ لَيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كاَنَ مَفْعُولا﴾ وَسَار شهَاب الدّين بالأسرى ورؤوس الْقَتْلَى إِلَى نور الدّين فَركب هُوَ وَعَسْكَره إِلَى لِقَائِه واستعرض الأسرى ورؤوس الْقَتْلَى فَرَأى فِيهَا رَأس مقدم الإسبتارية صَاحب حصن الأكراد وَكَانَت الفرنج تعظمه لشجاعته وَدينه عِنْدهم وَلِأَنَّهُ شجي فِي حلوق الْمُسلمين وَكَذَلِكَ أَيْضا رأى رَأس غَيره من مشهوري الفرنج فازداد سُرُورًا وَللَّه الْحَمد
[ ٢ / ١٦٠ ]
قَالَ وَفِي شَوَّال سنة خمس وَسِتِّينَ توفّي الْملك قطب الدّين مودود بن زنكي بالموصل وَكَانَ لما أَشْتَدّ مَرضه أوصى بِالْملكِ بعده لوَلَده عماد الدّين زنكي بن مودود وَهُوَ أكبر أَوْلَاده وأعزهم عَلَيْهِ وأحبهم إِلَيْهِ وَكَانَ النَّائِب عَن قطب الدّين حِينَئِذٍ والقيم بِأَمْر دولته فَخر الدّين عبد الْمَسِيح وَكَانَ يكره عماد الدّين زنكي لِأَنَّهُ كَانَ قد أَكثر الْمقَام عِنْد عَمه الْملك الْعَادِل نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وخدمه وَتزَوج ابْنَته وَكَانَ عزيزه وحبيبه وَكَانَ نور الدّين يبغض عبد الْمَسِيح لظلم كَانَ فِيهِ ويذمه وَيَلُوم أَخَاهُ قطب الدّين على تَوليته الْأُمُور فخاف عبد الْمَسِيح أَن يتَصَرَّف عماد الدّين فِي أُمُوره عَن أَمر عَمه فيعزله ويبعده فاتفق هُوَ والخاتون ابْنة حسام الدّين تمرتاش زَوْجَة قطب الدّين فَردُّوهُ عَن هَذَا الرَّأْي فَلَمَّا كَانَ الْغَد أحضر الْأُمَرَاء واستحلفهم لوَلَده سيف الدّين غَازِي وَتُوفِّي وَقد جَاوز عمره أَرْبَعِينَ سنة
وَكَانَ تَامّ الْقَامَة كَبِير الْوَجْه أسمر اللَّوْن وَاسع الْجَبْهَة جَهورِي الصَّوْت وَكَانَت ولَايَته إِحْدَى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَنصفا
وَلما توفّي اسْتَقر سيف الدّين فِي الْملك ورحل عماد الدّين إِلَى عَمه نور الدّين شاكيًا ومستنصرًا وَكَانَ عبد الْمَسِيح هُوَ متولى أُمُور سيف
[ ٢ / ١٦١ ]
الدّين وَيحكم فِي مَمْلَكَته وَلَيْسَ لسيف الدّين من الْأَمر إِلَّا اسْمه لِأَنَّهُ فِي عنفوان شبابه وغرة حداثته
قَالَ وهذ حَادِثَة تَحت على الْعدْل من جملَة أَعمال جَزِيرَة ابْن عمر قَرْيَة تسمى العُقَيمة مُقَابل الجزيرة من الْجَانِب الشَّرْقِي يفصل بَينهمَا دجلة لَهَا بساتين كَثِيرَة بَعْضهَا تمسح أرضه وَيُؤْخَذ على كل جريب من الأَرْض الَّتِي قد زرعت شَيْء مَعْلُوم وَبَعضهَا عَلَيْهِ خراج وَلَا مساحة عَلَيْهِ وَبَعضهَا مُطلق مِنْهُمَا فالممسوح مِنْهَا لَا يحصل لأَصْحَابه مِنْهُ إِلَّا الْقدر الْقَرِيب وَكَانَ لنا بهَا عدَّة بساتين فَحكى لي وَالِدي قَالَ جَاءَنَا كتاب فَخر الدّين عبد الْمَسِيح إِلَى الجزيرة وَأَنا حِينَئِذٍ أتولى ديوانها يَأْمر بِأَن تجْعَل بساتين العقيمة كلهَا ممسوحة فشق ذَلِك عليَّ لأجل أَصْحَابهَا فَفِيهَا نَاس صَالِحُونَ ولي بهم أنس وهم فُقَرَاء فراجعته وَقلت لَهُ لَا تظن أَنِّي أَقُول هَذَا لأجل ملكي لَا وَالله إِنَّمَا أُرِيد أَن يَدُوم النَّاس على الدُّعَاء للْمولى قطب الدّين وَأَنا أَمسَح ملكي جَمِيعه قَالَ فَأَعَادَ الْجَواب يَأْمر بالمساحة وَيَقُول تمسح أَولا ملكك ليقتدي بك غَيْرك وَنحن نطلق لَك مَا يكون عَلَيْهِ فشرع النواب يمسحون وَكَانَ بالعقيمة رجلَانِ صالحان وبيني وَبَينهمَا مَوَدَّة اسْم أَحدهمَا يُوسُف وَالْآخر عبَادَة فحضرا عِنْدِي وتضورا
[ ٢ / ١٦٢ ]
من هَذِه الْحَال وسألاني الْمُكَاتبَة فِي الْمَعْنى فأظهرت لَهما كتاب عبد الْمَسِيح جَوَابا عَن كتابي فشكراني وَقَالا وَأَيْضًا تعودُ تراجعهُ فعاودت القَوْل فأصر على المساحة فعرفتهما الْحَال فَلَمَّا مضى عدَّة أَيَّام عدت يَوْمًا إِلَى دَاري وَإِذا هما قد صادفاني على الْبَاب فَقلت لنَفْسي عجبا لهذين الشَّيْخَيْنِ قد رَأيا مراجعتي وهما يطلبان مني مَا لَا أقدر عَلَيْهِ فَقلت لَهما وَالله إِنِّي لأستحيي مِنْكُمَا كلما جئتما فِي هَذَا الْمَعْنى وَقد رَأَيْتُمَا الْحَال كَيفَ هُوَ فَقَالَا صدقت وَلم نحضر إِلَّا لنعرفك أَن حاجتنا قضيت قَالَ فَظَنَنْت أَنَّهُمَا قد أرسلا إِلَى الْموصل من شفع لَهما فَدخلت دَاري وأدخلتهما معي وسألتهما عَن الْحَال كَيفَ هُوَ وَمن الَّذِي سعى لَهما فَقَالَا إِن رجلا من الصَّالِحين الأبدال شَكَوْنَا إِلَيْهِ حَالنَا فَقَالَ قد قضيت حَاجَة أهل العقيمة جَمِيعهم قَالَ فَوَقع عِنْدِي من هَذَا وَلَكِن تَارَة أصدقهما لما أعلم من صَلَاح أحوالهما وَتارَة أعجب من سَلامَة صدرهما كَيفَ يعتمدان على هَذَا القَوْل ويعتقدانه وَاقعا لَا شكّ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام وصل قَاصد من الْموصل بِكِتَاب يَأْمر فِيهِ بِإِطْلَاق مساحة العقيمة وَإِطْلَاق كل مسجون وبالصدقة فَسَأَلت القاصد عَن السَّبَب فَأخْبرنَا أَن قطب الدّين شَدِيد الْمَرَض قَالَ فأفكرت فِي قَوْلهمَا وتعجبت مِنْهُ ثمَّ توفّي بعد يَوْمَيْنِ من هَذَا قَالَ وَرَأَيْت وَالِدي إِذا رأى أحد الرجلَيْن يُبَالغ فِي إكرامه ويحترمه وَيَقْضِي أشغاله واتخذهما صديقين
[ ٢ / ١٦٣ ]
قَالَ وَكَانَ قطب الدّين من أحسن الْمُلُوك وأعفَّهم عَن أَمْوَال رَعيته محسنا إِلَيْهِم كثير الإنعام عَلَيْهِم محبوبًا إِلَى صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ حَلِيمًا عَن المذنبين مِنْهُم سريع الانفعال للخير حدَّثني وَالِدي قَالَ استدعاني يَوْمًا وَهُوَ بالجزيرة وَكنت أتولى أَعمالهَا فلامني فِي بعض الْأَمر فَقلت أَخَاف من الِاسْتِقْصَاء لودعي على بعض هَؤُلَاءِ الْمُلُوك وأومأت إِلَى أَوْلَاده لكَانَتْ شَعْرَة مِنْهُ تَسَاوِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلنَا مَوَاضِع تحْتَمل الْعِمَارَة يتَحَصَّل مِنْهَا أَضْعَاف هَذَا فَقَالَ جَزَاك الله خيرا لقد نصحت وَأديت الْأَمَانَة فاشرع فِي عمَارَة هَذِه الاماكن فَفعلت وَكَبرت منزلتي عِنْده وَلم يزل يثني عليّ
قَالَ وَكَانَ كثير الصَّبْر وَالِاحْتِمَال من أَصْحَابه لقد صَبر من نوابه زين الدّين وجمال الدّين وَغَيرهمَا على مَا لم يصبر عَلَيْهِ سواهُ وَكَانَ حسن الِاتِّفَاق مَعَ اخيه الْملك الْعَادِل نور الدّين كثير المساعدة لَهُ والإنجاد بِنَفسِهِ وَعَسْكَره وأمواله حضر مَعَه المصافَّ بحارم وَفتحهَا وَفتح بانياس وَكَانَ يخْطب لَهُ فِي بِلَاده بِاخْتِيَارِهِ من غير خوف وَكَانَ إحسانه إِلَى أَصْحَابه مُتَتَابِعًا من غير طلب مِنْهُم وَلَا تَعْرِيض وَكَانَ يبغض الظُّلم وَأَهله ويعاقب من يَفْعَله
قَالَ وَبِاللَّهِ أقسم إِذا فَكرت فِي الْمُلُوك أَوْلَاد زنكي سيف الدّين وَنور الدّين وقطب الدّين وَمَا جمع الله فيهم من مَكَارِم الْأَخْلَاق ومحاسن
[ ٢ / ١٦٤ ]
الْأَفْعَال وَحسن السِّيرَة وَعمارَة الْبِلَاد والرفق بالرعية إِلَى غير ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي يحْتَاج الْملك إِلَيْهَا أذكر قَول الشَّاعِر
(من تلقَ مِنْهُم تقلْ لاقيت سيدهم مثل النُّجُوم الَّتِي يسري بهَا السَّاري)
قلت وقرأت بِخَط الشَّيْخ عمر الملاء ﵀ فِي كتاب كتبه إِلَى بعض الصَّالِحين وَسَأَلَهُ فِيهِ الدُّعَاء لقطب الدّين صَاحب الْموصل وَقَالَ فِيهِ يَا أخي لَو ذهبت أشرح لَك سيرته فِي بِلَاده وعيش رَعيته فِي ولَايَته أطلت وأضجرت غير أَنِّي أذكر لَك مَا خصّه الله بِهِ من الْأَخْلَاق الصَّالِحَة هُوَ من أَكثر النَّاس رَحْمَة وأشدهم حَيَاء وأعظمهم تواضعًا وَأَقلهمْ طَمَعا وأزهدهم فِي الظُّلم وَأَكْثَرهم صبرا وأبعدهم غَضبا وأسرعهم رضَا وَهُوَ من هَذِه الْأَخْلَاق على حد أحبه أَنا محبَّة لَا أقدر أصفها وبيني وَبَينه إخاء ومزاورة يزورني وأزوره