قَالَ الْعِمَاد كَانَ بِمصْر حبس للشحن يعرف بدار المعونة فَأَعَادَهَا
[ ٢ / ١٨٠ ]
صَلَاح الدّين مدرسة للشَّافِعِيَّة فِي أول سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَعمل فِي النّصْف من الْمحرم دَار الْغَزل مدرسة للمالكية وَولى صدر الدّين عبد الْملك بن درباس الْقَضَاء وَالْحكم بِمصْر والقاهرة وأعمالها وَذَلِكَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من جمادي الْآخِرَة ثمَّ خرج إِلَى الْغُزَاة وأغار على الرملة وعسقلان وهجم ربض غَزَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَاهِرَة
ثمَّ وَصله الْخَبَر بِخُرُوج قافلة من دمشق فِيهَا أَهله فأشفق عَلَيْهَا وَأحب أَن يجْتَمع بهَا شَمله فَخرج فِي النّصْف من ربيع الأول وَكَانَت
[ ٢ / ١٨١ ]
بأيلة قلعة فِي الْبَحْر قد حصنها أهل الْكفْر فعمر لَهَا مراكب وَحملهَا إِلَى ساحلها على الْجمال وركبها الصنّاع هُنَاكَ وشحنها بِالرِّجَالِ وَفتح القلعة فِي الْعشْر الأول من ربيع الآخر واستحلها واستباح بِالْقَتْلِ والأسر أَهلهَا وملأها بِالْعدَدِ وَالْعدَد وحصَّنها بِأَهْل الجلاد وَالْجَلد وَاجْتمعَ بأَهْله عَلَيْهَا وَسَار بهم على سمت الْقَاهِرَة ودخلوا فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من جمادي الأولى إِلَيْهَا
وَسَار إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان ليشاهدها ويرتب قواعدها وَهِي أول دفْعَة سَار إِلَيْهَا فِي أَيَّام سُلْطَانه وَعم أَهلهَا بإحسانه وَأمر بعمارة أسوارها وابراجها وابدانها
وَفِي النّصْف من شعْبَان اشْترى تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه وَهُوَ ابْن أخي صَلَاح الدّين منَازِل الْعِزّ بِمصْر وَجعلهَا مدرسة للشَّافِعِيَّة وَاشْترى الرَّوْضَة وحمام الذَّهَب وَغَيرهمَا من الْأَمْلَاك ووقفها عَلَيْهَا
[ ٢ / ١٨٢ ]
وَفِي النّصْف من جُمَادَى الْآخِرَة أغار شمس الدولة أَخُو السُّلْطَان بالصعيد على العربان ثمَّ دخل الْقَاهِرَة فِي عَاشر شهر رَمَضَان
وَفِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من جمادي الْآخِرَة توفّي القَاضِي الْمُوفق أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الْخلال وَكَانَ من الأماثل الأفاضل وَلم يزل صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء إِلَى أَن كبر وَكَانَ الْأَجَل الْفَاضِل يُوصل إِلَيْهِ كل مَا كَانَ لَهُ وَقَامَ بِهِ مُدَّة حَيَاته يكرم عَهده ويكفله
وَقَالَ فِي الخريدة هُوَ نَاظر ديوَان مصر وإنسان ناظره وجامع مفاخره وَكَانَ إِلَيْهِ الْإِنْشَاء وَله قُوَّة على الترسل يكْتب مَا يَشَاء عَاشَ كثيرا وعطل فِي آخر عمره وأضر وَلزِمَ بَيته إِلَى أَن تعوض مِنْهُ الْقَبْر وَمن شعره
(يَا أَخا الْغرَّة حسب الدَّهْر من عظة الْمَغْرُور مَا أصبح يُبْدِي)
(تُؤثر الدُّنْيَا فَهَل نلْت بهَا لَحْظَة تخلص من همّ وكدِّ)
قلت وَذكر ضِيَاء الدّين أَبُو الْفَتْح نصر الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْأَثِير الْجَزرِي فِي أول كِتَابه الْمُسَمّى بالوشي المرقوم فِي حل المنظوم قَالَ حَدثنِي عبد الرَّحِيم بن عَليّ البيساني رَحمَه الله تَعَالَى بِمَدِينَة دمشق فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة قَالَ كَانَ فن الْكِتَابَة بِمصْر فِي زمن يَعْنِي بني عبيد غضا طريا وَكَانَ لَا يَخْلُو ديوَان المكاتبات من رَأس يرأس مَكَانا وبيانا وَيُقِيم لسلطانه بقلمه سُلْطَانا وَكَانَ من الْعَادة أَن كلا من أَرْبَاب
[ ٢ / ١٨٣ ]
الدَّوَاوِين إِذا نَشأ لَهُ ولد وشدا شَيْئا من علم الْأَدَب أحضرهُ إِلَى ديوَان المكاتبات ليتعلم فن الْكِتَابَة ويتدرب وَيرى وَيسمع قَالَ فأرسلني وَالِدي وَكَانَ إِذْ ذَاك قَاضِيا بثغر عسقلان إِلَى الديار المصرية فِي أَيَّام الْحَافِظ وَهُوَ أحد خلفائها وَأَمرَنِي بالمصير إِلَى ديوَان المكاتبات وَكَانَ الَّذِي يرأس بِهِ فِي تِلْكَ الْأَيَّام رجلا يُقَال لَهُ ابْن الْخلال فَلَمَّا حضرت الدِّيوَان ومثلت بَين يَدَيْهِ وعرّفته من أَنا وَمَا طلبتي رحبَّ بِي وَسَهل ثمَّ قَالَ مَا الَّذِي أَعدَدْت لفن الْكِتَابَة من الْآلَات فَقلت لَيْسَ عِنْدِي شَيْء سوى أَنِّي أحفظ الْقُرْآن الْعَزِيز وَكتاب الحماسة فَقَالَ فِي هَذَا بَلَاغ ثمَّ أَمرنِي بملازمته فَلَمَّا ترددت إِلَيْهِ وتدربت بَين يَدَيْهِ أَمرنِي بعد ذَلِك أَن أحلّ شعر الحماسة فحللته من أَوله إِلَى آخِره ثمَّ أَمرنِي بِأَن أحله مرّة ثَانِيَة فحللته
وَقَالَ ابْن أبي طيّ فِي هَذِه السّنة شرع السُّلْطَان يَعْنِي صَلَاح الدّين فِي عمَارَة سور الْقَاهِرَة لِأَنَّهُ كَانَ قد تهدم أَكْثَره وَصَارَ طَرِيقا لَا يرد دَاخِلا ولاخارجًا وولاه لقراقوش الْخَادِم وَقبض على الْقُصُور وَسلمهَا إِلَيْهِ وَأمر بتغيير شعار الاسماعيلية وَقطع من الْأَذَان حيّ على خير الْعَمَل وَشرع فِي تمهيد أَسبَاب الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس
[ ٢ / ١٨٤ ]
وفيهَا طلب شمس الدولة من أَخِيه السُّلْطَان ربع الْكَامِل بِالْقَاهِرَةِ وازداد على إقطاعه بوش وأعمال الجيزة وسمنود وَغَيرهَا
قلت وَقد وقفت على كتاب فاضلي وصف فِيهِ غزَاة غَزَاهَا صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي زمَان وزارته وَكَانَ الْكتاب إِلَى مَدِينَة قوص وأظن هَذِه الْغُزَاة هِيَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْعِمَاد فِي اثناء كَلَامه السَّابِق أوّل الْكتاب ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ لَمْ يمسسهم سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَان اللهِ واللهِ ذُو فَضْلٍ عَظِيم﴾
وَفِيه توجهنا من بركَة الْجب يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس عشر من ربيع الأول ووصلنا بتاريخ السَّابِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور والعساكر بالسهل والوعر منتظمة والهمم على السهل والصّعب مزدحمة وجنود الله فِي الأَرْض المُعْلمة قد أيّدتها جنود السَّمَاء المسوّمة وصابحنا الديّر يَوْم الْأَرْبَعَاء بِقِتَال جعل كلّ من فِي حصن الدّير رَاهِبًا ونصبنا عَلَيْهِ منجنيقا لَا يزَال بشهاب الْقَذْف ضَارِبًا فَلَمَّا تَعَالَى النَّهَار ملكنا ربضه وأطلقنا فِيهِ النيرَان ورملنا الرِّجَال بِالدَّمِ وأرملنا النسوان وزحفنا إِلَى أبراجه وَهِي أبراج قد استعدت للبلاء جلبابا فَجعلنَا لكلّ وَاحِد جورة مُفْردَة وبابا
[ ٢ / ١٨٥ ]
وسرحنا إِلَيْهِم رسل المنايا من النشاب وقصدنا أَخذ الأبراج والبيوت تُؤْتى فِي الْحَرْب من غير الْأَبْوَاب وَتَقَدَّمت إِلَيْهِم نقابة الحلبية فباتت لَيْلَتهَا تساوره وتراجعه بألسنة المعاول وتشاوره وأسفر الصُّبْح وَقد أمكن تَعْلِيقه وتيسر تحريقه فأودعنا تِلْكَ الْعُقُود آلَات الْوقُود فَلم يكن إِلَّا مِقْدَار اشتعالها حَتَّى خرّ صَرِيعًا سَرِيعا وعفرّ بَين أَيْدِينَا سَامِعًا مُطيعًا وانتظمت الرِّجَال على أحجاره وتواثبت إِلَى أَمْثَاله من الأبراج وأنظاره فحصلت فِي القبضة وَعجز من كَانَ فِيهَا عَن النهضة واحتكم فِيهَا الْعَذَاب بِالسَّيْفِ وَالنَّار وضاق عَلَيْهِم مجَال النَّفس والقرار
واستقبلنا يَوْم الْخَمِيس نقب القلعة وَتَقْدِيم المنجنيق وتيسير السَّبِيل لِلْقِتَالِ وتخليص الطَّرِيق هَذَا والكسوب والنهوب قد امتارت مِنْهَا العساكر وَخرجت فِيهَا مكنونات الذَّخَائِر وأشبه الْيَوْم يَوْم تُبلى السرائر وطهر الأَرْض مِنْهُم بِالدَّمِ المائر
فَلَمَّا كَانَ بكرَة الْجُمُعَة وردتنا الْأَخْبَار بِأَن الْملك قد زحف من غَزَّة فِي فارسه وراجله ورامحه ونابله وحشود دياره وجنود أنصاره فَرَكبْنَا مستبشرين بزحفه موقنين بحتفه ولقيناه فأحطنا من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وناوشته الْخَيل الطِّراد وَأَحْدَقَتْ بِهِ أحداق الأغلال بالأجياد وانتظرت حَملته الَّتِي كَانَ لَهَا قبل ذَلِك الْيَوْم موقع وصدمته الَّتِي لَهَا من رجال الْحَرْب مَوضِع فَمَلَأ الله قلبه رعْبًا وثنى صدقه كذبا وَلم يزل يخاتل وَلَا يُقَاتل ويواصل الْمسير وَلَا يصاول وَالْقَتْل فِي أعقابه وأيدي السيوف وسواعد الرماح لَا تني فِي عِقَابه حَتَّى تحصّل فِي الدَّيْر هُوَ وخيله وَرجله
[ ٢ / ١٨٦ ]
وَلم يبْق لَهُ من ملك الشَّام إِلَّا مَا وطئته رجله فناصبناه الْحصار فِي لَيْلَة السبت مستهل ربيع الآخر بالركوب إِلَيْهِ وَالْوُقُوف عَلَيْهِ لَعَلَّه يبرز ويبارز وَيخرج وَلَا يحاجز فخرست غماغمه واستذابت ضراغمه فتركناه وَرَاء ظُهُورنَا وَجَعَلنَا بِلَاده أَمَام صدورنا فَكُنَّا فِي تَوليته مرضين لله تَعَالَى سُبْحَانَهُ لَا مغضبين وَفِي تَركه وَرَاء ظُهُورنَا ومباعدته من الله متقربين
وواجهنا غَزَّة بعساكرنا المنصورة وأطفنا بهَا فِي أحسن صُورَة وَهِي على مَا علم من كَونهَا بكرا لم تفترعها الْحَوَادِث وحصانا لم يطمثها أمل طامث وَهِي معقل الديوية الَّذين هم جَمْرَة الشّرك وداهية الْإِفْك وأتى الله ببنيانها من الْقَوَاعِد وأنجز فِيهَا من النّصر صَادِق المواعد ووردناها بأيمن الْمَوَارِد وفتحناها من عدَّة جَوَانِب ووطئناها وَإِذا هِيَ كأمس الذَّاهِب فألْقَت إِلَيْنَا أفلاذ كَبِدهَا وذخيرة يَدهَا فَمن بَين مواش تخرب الْبِلَاد الَّتِي مِنْهَا خرجت وخيول مسومة كَأَنَّهَا لركوبنا أُسرجت وأُلجمت وحوامل أثقال وزوامل خففت عَن عساكرنا وفرجت وميرة كَثِيرَة تمكنت فِيهَا يَد الأجناد وأفرجت وأسارى الْمُسلمين فكوا من الْقَيْد وَالْقد وأنقذوا بلطف الله من سوء الملكة وَشدَّة الْجهد وَأما الرؤوس المقطوعة وأسارى الفرنج الَّذين أَيْديهم إِلَى أَعْنَاقهم مَجْمُوعَة فَإِن الفضاء الفضي تعصفر من دِمَائِهِمْ وَتذهب وَجرى مِنْهَا مَا بِهِ اضطرم وَقد الْجَحِيم وتلهب وَفِي الْحَال أمرنَا بالنَّار أَن تشتغل بهَا وتشتعل وبالهدم أَن ينْقل عَنْهَا معاوله
[ ٢ / ١٨٧ ]
وينتقل ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيةٍ﴾ أَو تنظر إِلَّا طلولا على عروشها خاوية وعراصا من سكانها خَالِيَة قد بقيت عِبْرَة للعابر وذكرى للذاكر وموعظة سارة للْمُسلمِ مرغمة للْكَافِرِ
ثمَّ عدنا بَقِيَّة يَوْم السبت إِلَى الْملك خذله الله تَعَالَى راجين أَن يحملهُ الثكل على الْإِقْدَام ويخرجه حر النَّار إِلَى مقَام الانتقام فَإِذا شَيْطَانه قد نصحه وَقتل أَصْحَابه قد جرحه فبِتْنا عَلَيْهِ والألسنة بقراره تعيره واستتاره يقرعه ويقَرِّره
واصبحنا يَوْم الْأَحَد ثَانِي شهر ربيع الآخر وَالْكَسْب قد أثقل الْمُقَاتلَة وَنصر الله قد بلغ الْغَايَة المستأصلة ورحلنا والسلامة لصغير عسكرنا وكبيره شَامِلَة والعدو قد غزى فِي عُقره وعُقر وأذل فِي دَار ملكه واحتقر ووصلنا إِلَى مُسْتَقر سلطاننا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور فَاسْتقْبلنَا من مَوْلَانَا صلوَات الله عَلَيْهِ وتشريفه واستقلال ركابه ومشافهتنا بمقبول دُعَائِهِ الشريف ومحابه مَا عظمت بِهِ النعم وجلّت وزالت بِهِ وعثاء الطَّرِيق وتجلّت وجادتها سَمَاء إنعامه الَّتِي لم تزل تجودنا واستهلت
قلت وَمن قصيدة لعمارة فِي مدح صَلَاح الدّين أَولهَا
(فؤاد بِنَار الشوق والوجد محرق )
يَقُول فِيهَا
(لَعَلَّ بني أَيُّوب إِن علمُوا بِمَا تظلمت مِنْهُ أَن يرقوا ويشفقوا)
(غزوا عُقر دَار الْمُشْركين بغزةٍ جهارًا وطرف الشّرك خزيان مطرق)
[ ٢ / ١٨٨ ]
(وزاروا مصلّى عسقلان بأرعن يفِيض إِنَاء الْبر مِنْهُ ويفهق)
(وَكَانَت على مَا شَاهد النَّاس قبلكُمْ طرائق من شوك القنا لَيْسَ تُطرق)
(وَمَا عصمتهم مِنْك إِلَّا معاقل تأنوا على تحصينها وتأنقوا)
(جلبت لَهُم من سُورَة الْحَرْب مَا التقى بوادره سور عَلَيْهِم وَخَنْدَق)
(وأخربت من أَعْمَالهم كل عَامر يمر بِهِ طيف الخيال فَيُفَرق)
(أضفت إِلَى أجر الْجِهَاد زِيَارَة الْخَلِيل فأبشر أَنْت غازٍ مُوفق)
(وهيجت للبيت المقدّس لوعة يطول بهَا مِنْهُ إِلَيْك التشوق)
(تَنْشَق من ملقاك أعطر نفحة تطيب على قلب الْهدى حِين تَنْشَق)
(وغزوك هَذَا سُلم نَحْو فَتحه قَرِيبا وَإِلَّا رائد ومطرق)
(هُوَ الْبَيْت إِن تفتحه وَالله فَاعل فَمَا بعده بَاب من الشَّام مغلق)