كانت الظّروف الأندلسية التي بيّناها الحافز لطلب النجدة من مسلمي المغرب. فالفكرة كانت عامة على النّطاق الشّعبي، قبل أن يتبنّاها أمراء الطوائف رسميّا، فقد كان
[ ١٨١ ]
يوسف ابن تاشفن قد أتمّ وحدة المغرب عام ٤٧٤ هـ تقريبًا، ووفد صريخ أهل الأندلس على بلاط مراكش في العام نفسه، ووفد إليه جماعة، وشكوا إليه ما حلّ بهم من عدوان النصارى، وطلبوا إليه النّجدة، والعون، فوعدهم بتحقيق أمنيتهم ١، كما كانت سفارة أبي الوليد الباجي إليه قبل هذا التاريخ لأن الباجي توفي عام ٤٧٤ هـ كما ذكرنا. وكاتبه المتوكل على الله بن الأفطس حاكم بطليوس ٢ وأمام استمرار الصريح استعدّ بقواته ليجوز الأندلس، فافتتح سبتة عام ٤٧٧ هـ، وأخذ يعدّ العدّة وينشيء المراكب والسفن ليعبر فيها ٣. وينتظر الفرصة السّانحة.
وفي سبتة توالت الرسل إليه أكثر من ذي قبل، وازدادت أكثر بعد سقوط طليطلة، فكثرت رسل الأندلس، مجهشين بالبكاء، ناشدين الله والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، للحثّ على إنقاذهم مما هم فيه، وما يقتضيه واجبه الإسلامي نحو إخوانه. فكان يصغي لقولهم ويستمع إليهم، وترقّ نفسه لهم ٤.
ثم تحوّل الأمر بعد استئساد النّصارى على المسلمين وزلزلة طليطلة، فأصبحت الدّعوة للعبور رسميّة، فاتّفقت الأندلس كلّها على ذلك أمراؤها وفقهاؤها وعامّتها ٥. وكان ملوك الطوائف يكرهون إلمام يوسف بجزيرتهم ٦ولكنّهم أمام ضغط النّصارى وتنكّر الفونسو لهم، وخضوعًا للرّأي العامّ الإسلاميّ، استغاثوا بأمير المسلمين، فَعُقِد اجتماع في قرطبة حضره الزعماء والفقهاء وكثير من اَلنّاس، وعلى رأسهم المعتمد بن عباد، اتّخذ فيه قرار الموافقة على استدعاء المرابطين للنّصرة، ثم دعا المعتمد غيره من ملوك الطوائف إلى هذا الأمر، واجتمعوا بالفعل لاتّخاذ ترتيبات عبور وفد إلى العدوة ودعوة الأمير يوسف، وكتبت رسالة بهذا الشأن وقّعها أمراء الأندلس، وأُرسلت من الأندلس مع سفارة خاصّة وتحت إشراف ابن عبّاد، وحملت السفارة التّحف الثّمينة والوعود المغرية للاستغاثة ٧ مع الرّسالة. وقد ضمّ الوفد: عبيد الله بن أدهم قاضي قرطبة، وكان أعقل أهل زمانه، ووزير المعتمد أبا بكر بن زيدون، وقاضي المتوكل على الله عمر بن الأفطس أمير بطليوس، وقاضي عبد الله
_________________
(١) ١ انظر: عنان- دول الطوائف ص ٣١٢- ٣١٥. ٢ الحجي ص ٣٩٧/ عنان ص ٩٢. ٣ نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٤ عن الروض المعطار. ٤ نفسه جـ٤ ص ٣٥٩- ٠ ٣٦. ٥ دول الطوائف ص ٣١٧. ٦ نفح الطيب جـ٤ ص ٣٥٤. ٧ التواتي- مأساة انهيار الوجود العربي بالأندلس ص ٢٨٧.
[ ١٨٢ ]
ابن حبوس بن ماكسن الصنهاجي صاحب غرناطة ١. والتقى الوفد بأمير المسلمين في سبتة، فلبىّ النّداء وقال: "أنا أوّل منتدب لنصرة هذا الدين، ولا يتولى هذا الأمر أحد إلا بنفسي" ٢.
وكانت هناك دعوة للاستنجاد بعرب إفريقيا (بني هلال) ٣، واستُبْعِد هذا الرّأي، كما ارتفعت بعض الأصوات تعارض الرّأي العامّ في الاستنجاد بالمرابطين تزعّمها عبد الله ابن سكوت والي مالقة، الذي حذّر أمراء الأندلس من المغاربة خوفًا من استئثارهم بالأندلس أرض الخيرات، وقد اشتهر ابن سكوت بمواقفه المشبوهة، ولعلّه هو المدبّر للحركة المضادّة لدخول المرابطين، التّي اتخذت اتِّجاهًاَ خطيرًا فيما بعد، وجعلت أمير المسلمين يتشكّك في نوايا أمراء الأندلس٤. وحذّر أبو الحسن عبيد الله (ولي عهد المعتمد) والده مغبّة الاستنجاد بالمرابطين، وقال له: "يا أبت تُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدّد شملنا" ٥. ولكن المعتمد المدرك أبعاد القضية أجابه: "أي بني والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر، ولا تركتها للنّصارى، فتقوم عليّ اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري". وقال قولته التي سارت مثلًا: "رعي الجمال خير من رعَي الخنازير" أي أن كونه مأكولًا لابن تاشفين أسيرًا يرعى جماله في الصّحراء، خير من كونه ممزّقًا لابن فردلند أسيرًا يرعى خنازيره في قشتاله ٦.
ولما فشا في الأندلس عزيمة الاستنجاد بيوسف والاستظهار به، استبشر النّاس وفرحوا بذلك وفتحت لهم أبواب الأمل ٧، وعمّ المسلمين الفرح.
_________________
(١) ١ الروض المعطار ص ٨٦/ انظر: الحجي- تاريخ الأندلس ص ٣٢١. ٢ المعجب للمراكشي ص ١٣٠- ١٣٢. ٣ الكامل في التاريخ جـ ٨ ص ١٤١- ١٤٢. ٤ نفح الطيب جـ٤ ص ٣٥٥. ٥ ابن الخطيب- أعمال الأعلام ص ٢٤٥. ٦ نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٩/ البيان المغرب جـ٤ ص ١١/ وفيات الأعيان جـ٧ ص ١١٥. ٧ نفح الطيب جـ٤ ص ٣٥٩.
[ ١٨٣ ]