كانت طليطلة من أجلّ المدن الإسلامية وأعظمها خطرًا ١، ومن- أكبر بلاد الأندلس وأحصنها٢، حكمها من الطوائف بنو ذي النون الهواري، وأوّلهم الأمير إسماعيل عام ٤٢٠هـ، ثم تملّك المأمون بعد أبيه عام ٤٣٥هـ ٣، فعكف على اللذات والخلاعة، وصادر
_________________
(١) ١ ياقوت- معجم البلدان جـ٤ ص٤٠. ٢ الكامل في التاريخ جـ٨ ص١٣٨. ٣سير أعلام النبلاء جـ١٨ ص٢٢١/ الكامل في التاريخ جـ٩ ص٢٨٨.
[ ١٧٥ ]
الرعيّة، وهادن العدوّ، فطمعت فيه الفرنجة بل في الأندلس، وأخذت عدّة حصون، وكان قد استعان بهم على تملّك مدائن الأندلس، وغدر به ملكهم، وأخذه رهينة حتّى أعطاه ما طلب من الحصون، وقرّر عليه مالًا كلّ سنة، وعاد ذليلًا مخذولًا وذلك بما قدّمت يداه، إلى أن توفي عام ٤٦٠هـ ١ مقتولًا بيد القاضي ابن جحّاف، فخلفه القادر بن يحي في الحكم ٢ الذي لجأ إلى بلاطه الفونسو السادس، وأقام فيه تسعة شهور، ولاقي الإكرام الزائد، والمجاملات الكثيرة إلى أن غادرها حاكمًا للنّصارى، بعد أن ارتبط ببني ذي النون بروابط الصداقة وأعطى العهود والمواثيق.
أصبح شغل الفونسو الشاّغل الاستيلاء على هذا البلد الذي آواه وأكرمه، وكان قد درس وسائل احتلالها أثناء لجوئه، بل وتذكر بعض الروايات أنه استمع ذات يوم وهو متظاهر بالنوم إلى حديث المأمون مع وزرائه في كيفية الدفاع عن طليطلة إذا هاجمها النصارى، وقد أجاب بعضهم: أن النّصارى لا يستطيعون الاستيلاء عليها وهي المدينة الحصينة إلا إذا أنفقوا سبعة أعوام على الأقلّ في تخريب أحوازها وإنتساف قوتها ٣، وتمكن الفونسو من الإطلاع على عوراتها ٤. فأخذ بالإغارة على أراضيها وعاث فيها سفكًا وتخريبًا، وانتسف مزارعها، بالاتفاق (ياللأسف) مع ابن عباد أمير اشبيلية، وأعظم ملوك الطوائف، الذي تحالف معه وتعهّد بمعاونته بالجند والمرتزقة ضد جميع المسلمين مقابل ألاّ يتعرض لمشروعه في مهاجمة طليطلة، فضحّى المعتمد بمعقل الأندلس المسلمة مقابل وعود خدّاعة، ودفع للادفونش الجزية ٥
استمرّ الفونسو في غاراته على أراضي طليطلة دون أن يجد من يردعه، وبعد أن أنهكها تقدّم لحصارها، واستمرّ في حصارها سبع سنوات ٦ وارتكب بها وبأهلها الأفاعيل وأُنزلت الآثامٍ، وتمثّلت النزّعة الصّليبيّة واضحة في هذا الحصار، فقد ضمّت القوات النّصرانيّة جنودًا من جميع أسبانيا النّصرانية من قشتاله وليون وارغون، ومتطوعين نصارى من المغامرين من فرنسا وألمانيا وإنكلترا وغيرها من أوربا النصرانية ٧، تباركهم الكنيسة. في
_________________
(١) ١ نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٢. ٢ نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٢. ٣ دول الطوائف ص٣٩١، وهي قصة لا تخلو من الخيال، ولكنها ذات مغزى يرمي إلى تصوير مدى غفلة الأمير، وثقته بأعدائه، وركونه إليهم. ٤ ابن الخطيب- أعمال الأعلام جـ٢ ص٣٣٠. ٥ الذهبي-العبرجـ٢ ص٣٣٨. ٦ نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٣/ العبر جـ٢ ص٣٣٩/ الكامل في التاريخ جـ٨ ص١٣٨. ٧ عنان- دول الطوائف ص٣٩٦.
[ ١٧٦ ]
حين بقيت طليطلة المسلمة وحيدة تصارع هذه القوى، وأمراء الطوائف جامدون لا يتحرّكون، وكأن الأمر لا يخصهم، بل ارتمى بعضهم كزعيمهم ابن عباد على اعتاب الفونسو، وتغافلوا عن الحقيقة: (إن النصارى لا يفرّقون بين طليطلة وغيرها من القواعد الإسلامية) ولم يقم بواجب نجدتها إلا المتوكّل على الله عمر بن محمد بن الافطس أمير بطليوس الذي وقف مجاهدًا عن الإسلام وأهله كوالده الذي كان قد دعا إلى وحدة الأندلس للوقوف في وجه النصارى، وأنحى باللائمة على ابن عباد الذي مالأ الاذفونش، وبينّ أن سبب تكالب الأفرنج على بلاد المسلمين يكمن في ذنوبهم وتفرّقهمِ ١، واستمرّ في جهاده إلى وفاته سنة ٤٧٠هـ. فكان ابنه المتوكل هذا لا يقلّ عنه جهادًا، وقد ثار أهل طليطلة عام ٤٧٢ هـ ضد القادر وخلعوه لتعاونه معِ الاذفونش وخياناته، واستدعوا المتوكّل ليتولىّ أمرها، فقبل مكرهًا، وأقام عندهم نحوًا من عشرة أشهر ليعود إلى بطليوس حين علم باستعانة القادر بالاذفونش وتقدّمهما نحو طليطلة ٢.
يئس أهل طليطلة من نجدات المسلمين، ففاوضوا الاذفونش من أجل التّسليم، وكالعادة أعطى لأهلها الأمان لضمان حرّيّاتهم، واحترام شعائر دينهم، وحقوقهم، وحرمة مساجدهم، وكعادته أيضًا نقض هذه العهود بعد شهرين فقط، وحوّل مسجدها الجامع إلى كنيسة، وحطّم المحراب ليقام الهيكل مكانه ٣،وارتكب بأهلها الأفاعيل وأنزل بها الآثام ٤،تباركه الكنيسة في ذلك، واتّخذها عاصمة لأسبانيا النّصرانيّة. وكان سقوطها في منتصف المحرم سنة ٤٧٨هـ٥.
وأسفر سقوط طليطلة عن نتائج هامة:
فقد اشتدّ طمع النّصارى في بلاد الأندلس الإسلامية، فشنّ الأذفونش الغارات على جميع الأندلس المسلمة، وفاز باستخلاص جميع أقطار ابن ذي النون واستئصالها، وذلك
_________________
(١) ١ انظر رسالته للأذفونش بهذه المعاني/ سير أعلام، النبلاء، ج١٨ ص٥٩٥-٥٩٦ وفيها تظهر عزة المسلم حينما يلجأ إلى الله سبحانه ويستمد منه قوته. ٢ انظر: الحجي- التاريخ الأندلسي ص ٣٣٧. ٣ نفح الطيب جـ٤ ص٤٤٧/ عنان- دول الطوائف ص١١٣. ٤ نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٤. ٥ نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٤/العبر جـ٢ ص ٣٣٨/ الكامل جـ٨ ص١٣٨.
[ ١٧٧ ]
ثمانون منبرًا، سوى البُنيّات والقرى المعمورات، وحاز من وادي الحجارة إلى طلبيرة، وفحص اللجّ، وأعمال شنزية كلّها، وتسمّى (بالإمبراطور) أو (الإمبراطور ذي الملتين الإسلامية والنّصرانية) . وطمع في ملوك الطوائف، وعاملهم معاملة الأتباع الأذلاّء ١، وتصوّر أنهم غدوا كافّة رهن إشارته، وطوع بنانه، وانّه سيقضي عليهم الواحد بعد الآخر، ورفض جزيتهم وردّها كما فعل مع ابن عباد، ووصفهم بالحمقى الذين تلقبوا بأسماء الخليفة وهم لا يملكون لأنفسهم ضرّاَ ولا نفعًا ٢
وتسلل اليأس إلى نفوس المسلمين من ملوك الطوائف، وغدت الأصوات اليائسة ترتفع، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسّال أو غيره ٣:
يا أهل أندلس حثّوا مطيّكم فما المقام بها إلا من الغلط
الثّوب ينسل من أطرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولًا من الوسط
ونحن بين عدوّ لا يفارقنا كيف الحياة مع الحيّات في سفط
هذا وقد نُظّمت قصائد كثيرة في سقوط طليطلة وغيرها من المدن والحصون يظهر فيها الأسى والحزن.
وأدرك ملوك الطوائف عزلتهم عن أمّتهم، وأنّ النّصارى لا يفرّقون بينهم في المعاملة، وينظرون إليهم نظرتهم الحاقدة إلى المسلمين تحثّهم على ذلك الكنيسة بروحها الصّليبية، فتنادوا للّقاء، وتداعوا للوحدة استجابة أو مسايرة للرأي العام المسلم.
_________________
(١) ١ أنظر الحجي- التاريخ الأندلسي ص٣٣٤-٣١٥. ٢ المؤنس ص١٠١. ٣ وتروى الأبيات بأشكال مختلفة بالمعنى نفسه. انظر: نفح الطيب جـ٤ ص٣٥٢.
[ ١٧٨ ]