نعمت الأندلس الإسلامية بالأمن والرفاهية في ظلّ الدولة الأموية وفي عهد الدولة العامرية، ومدّت نفوذَها على جميع شبه الجزيرة الأندلسية والمغرب، وركدت حركات
[ ١٧٢ ]
النصارى، وامتلأت قلوبهم رعبًا، فقلّ عبثهم، وخطب ملوكهم ودّ الدولة الإسلامية في أكثر عهودها.
ولما انقطعت تلك الدولة قام الطوائف بعد الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خططها، وتغلّب بعض على بعض ١، وكثرت الفتن وانبسط عدو الدين في الجزيرة وبلغ منهم كلّ مبلغ ما بين قتل وأسر، وهم (أي ملوك الطوائف) في تحاسد واختلاف الكلمة وانتحال الأوصاف، واقتسام ألقاب الخلافة، فتلقّبوا بالناصر، والمنصور، والمعتمد، والمظفر، والمتوكل، والقادر، والمؤتمن، وغير ذلك، فمال شاعر الأندلس أبو بكر محمد بن عمار أو غيره ٢:
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد
واستعان بعضهم على بعض بأعدائهم من نصارى الشمال، فوجد النصارى الفرصة للقضاء علىِ المسلمين جميعًا في شبه الجزيرة، فأخذوا يضربونهم، بعضهم ببعض، ويدفعون كلا منهم للصراع، ويغرونهم بشتّى الإعانات، والخداع، والمكر، والكيد، حتى يتمكّنوا من أخذ البلاد والاستيلاء على الطّارف والتّلاد ٣ كما نشروا الجواسيس لإيجاد الصدع في صفوف المسلمين ٤، وتنازع الإخوة من ملوك الطوائف على الملك ٥، واستعان كلّ منهم بالعدوّ الصّليبي على أخيه، ولبَّى النّصارى الاستغاثات لأنهم وجدوها فرصة لتصفية الحساب مع المسلمين، فكانوا يقدمون الضّمانات الزّائفة، والوعود الكاذبة للجانب الذي ظهر رجحان كفته، حتى إذا أوشك على النّصر قلبوا له ظهر المجنّ وعملوا على ترجيح كفّة منافسه ٦ كما أخذت الكنيسة في روما تتحرّك بقوّة بما لاحظته من ضعف المسلمين، فعملت على تكتّل نصارى أسبانيا، وعلى تكتّل النّصارى في أوربا لتوحيد العمل ضد الإسلام والمسلمين. والحقّ أن الأفرنج ما طمعت في الأندلس إلاّ عندما تفرقت
_________________
(١) ١ نفسه جـ١ ص٤١٣. ٢انظر سير أعلام النبلاءجـ١٨ ص٥٨٢-٥٨٣/ نفح الطيب جـ١ ص٢١٤، جـ٤ ص٢٥٥/ ابن خلكان- وفيات الأعيان جـ٤ ص٤٢٨/ المؤنس ص١٠١. ٣ نفح الطيب جـ٥٠٧ ص٥٠٧ عن جنة الرضى لابن عاصم. ٤ وقصة المنصور مع الشيخ الهرم، واكتشاف جاسوسيته مثال على هؤلاء الجواسيس/ نفح الطيب جـ١ ص٣٧٨. ٥ كما حصل في أمراء بنى هود بين الأخوين المقتدر بن هود والمظفر بن هود. وكما حصل لأبناء المقتدر: المؤتمن، والمنذر (الحجي- التاريخ الأندلسي ص٣٥٦) . ٦ كما حدث مع أبي بكر بن عبد العزيز الذي ثار على القادر واحتمى بالفونسو السادس.
[ ١٧٣ ]
البلاد، وصار كلّ بلد بيد ملك، فحينئذ طمع الفرنج فيهم، وأخذوا كثيرًا من ثغورهم ١، وأنهكوا قوى المسلمين واستنزفوها. فاتخذت الحرب في الأندلس وجهة الحرب الصليبية قبل أن تعلن بصفة رسمية في الشرق. إذ قرّر البابا الأسكندر الثاني عام ٤٥٦هـ/١٠٦٣م منح مغفرة خاصة لكل من يشدّ الرّحال لقتال المسلمين في أسبانيا، فهب عدد كبير من فرسان فرنسا وأوربا لمساعدة إخوانهم في ما وراء الجبال ٢ فقويت الممالك النصرانية في شمال الأندلس، وتوالت غاراتها على المسلمين، وطمع فردلند (فرناندو الأول) ملك قشتالة وليون فاستولى على بعض المناطق القاصية من الشمّال الغربي سنة ٤٤٩هـ/١٠٥٧م وحاصر مدينة باز وجنوب دويرة، واقتحمها بعد دفاع مجيد من المسلمين وعاث فيها قتلًا وأسرًا، كما هاجم واحتل مناطق من مملكة بطليوس الخاضعة لبني الأفطس، وعاث عام ٤٥٤ هـ في الأنحاء الشمالية لمنطقة طليطلة وحكامها بنو ذي النّون، وفي بعض مناطق اشبيلية حيث بنو عباد، وسقطت بيده مدينة قلمرية (قلنبيره) عام ٤٥٦/١٠٦٤م ٣. وهاجم النورمان مدينة بربشتر وتقع على بعد ٦٠ كم شمال شرق سرقسطة وإحدى القواعد الأندلسية المنيعة، وتغلّبوا عليها بعد حصار أربعين يومًا سنة ٤٥٦ هـ وارتكب النصارى فيها جرائم مذهلة مثيرة بقيادة جيوم دي مونري من أكابر فرسان عصره. وكان في خدمة الجيوش الرومانية والبابوية ٤، فقد استباحوا المدينة بعد أن أمّنوا سكانها بكلّ ما فيها ومن فيها، وقدّر عدد القتلى والأسرى بين أربعين ألف ومائة ألف، ثم أعطى قائد الحملة الأمان لكنه- حين رأى كثرة أهل المدينة- أمر جنده أن تقلّل أعدادهم حصادًا بالسّيف، فأطيح أرضًا بستة آلاف من الرؤوس، ثم انتهبوا المدينة، واحتلّوا دورها لأنفسهم وارتكبوا أبشع الجرائم قتلًا وهتكًا للأعراض. وكان (الخطب أعظم من أن يوصف أو يُستقصى) كما يقول ابن حيّان ٥ فأثر الخطب في المسلمين وتداعوا إلى الجهاد، فتمكّنوا من استرجاعها عام ٤٥٧ هـ ومُزّق المعتدون بعد أن دام احتلالها تسعة شهور ٦.
وتوفي فردلند (فرناندو الأول) ملك قشتالة وليونِ عام ٤٥٨هـ/١٠٦٥م بعد أن قسّم دولته بين أولاده الثلاثة، حيث تحارب الأخوة حربا لم يستغلها المسلمون لتفرقهم ولتمكنّ
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ جـ٨ ص١٣٨ ٢ اندري جوليان- تاريخ إفريقيا الشمالية- تعريب محمد مزالي، والبشير بن سلامة جـ٢ ص١١١. ٣ الحجي- التاريخ الأندلسي ص٣٢٨. ٤ عنان- دول الطوائف ص٢٧٤. ٥ الحجي- التاريخ الأندلسي ص٣٦١ ٦ الروض المعطار ص٤١.
[ ١٧٤ ]
الروح الانهزامية في نفوسهم، وانتصر في هذه الحروب شانجه وهرب أخوه الفونسو (الاذفونش) ولجأ إلى طليطلة عند ملكها يحي بن إسماعيل بن ذي النون الملقب بالمأمون، فقابله بالترّحاب وبالغ في إكرامه، وأنزله دارًا مجاورة لقصره، وجعل له دارًا أخرى خارت المدينة ذات حدائق تكون متنزّهًا له ولمرافقيه، حيث قضى تسعة شهور درس فيها أحوال المدينة تمهيدًا للاستيلاء عليها. وكان الأخ الثالث غرسيه قد لجأ إلى اشبيلية عند بني عباد. واغتيل شانجه عام ٤٦٥هـ/١٠٧٢م فاستدعي الفونسو لتولّي الحكم، بعد أن قطع الوعود للمأمون، وأصبح ملكًا لقشتالة وليون وجيليقية باسم الفونسو السادس (الاذفونش عند المسلمين) فتوحدّت أسبانيا النصرانية حيث قضى غرسيه الأخ الثالث بقيّة عمره في السجن لمدة سبعة عشر عامًا ١
من هذا العرض لأوضاع المغرب والأندلس نرى أن المغرب الإسلامي كان يمر في حركة تغيير شاملة على أسس إسلامية، وعلى يد المرابطين، وتنبعث فيه حياة جديدة، وقوة وثّابة، كالحركة التي شهدها المشرق الإسلامي على يد السلاجقة. في حين كانت الأندلس الِإسلامية تشهد حركة عكسية، حركَة يتوالى فيها تمزّق المسلمين، وتتوالى الانتكاسات، وتسرّبت إلى زعمائهم الروح الانهزامية أمام القوى النّصرانية الصّاعدة الحاقدة على الإسلام وأهله، والتي تجنّدها البابويّة من نصارى أسبانيا وأوربا.
وأمام فقدان المسلمين في الأندلس قوتهم الذاتية تلمّسوا حولهم، فوجدوا القوى الإسلامية في العدوة الأخرى، فاندفعوا للعمل للاتصال بالأخوة، وخاصة بعد قمة الفاجعة الأندلسية- سقوط طليطلة بيد النصارى.
_________________
(١) ١ الحجى- التاريخ الأندلسي ص ٣٣٠.
[ ١٧٥ ]