تحرّك يوسف بالجيش الِإسلامي من الجزيرة الخضراء باتّجاه الشّمال الشّرقي إلى اشبيلية، ولما وصلها نزل بظاهرها، وطلب إليه المعتمد أن يدخل حاضرة ملكه ليستريح فيها أيامًا من وعثاء السفر، ومشقّة الطريق، قبل أن يلتقي بعدوه. فأبى يوسف الدّخول وقال:
[ ١٨٥ ]
"إنّما جئت ناويًا جهاد العدو، فحيثما كان العدوّ توجّهت، هلّم (إلى ما جئنا له من الجهاد) "١.
وأقام بظاهر أشبيلية ثمانية أيام، نظم فيها أموره، فتمّ التخلّص من كلّ ما لا حاجة إليه في ساحة المعركة، وتمّت دراسة الجوّ، والأوضاع والنفوس، وتمّ التئام جيوش المسلمين وأمراء الأندلس التي تقرّر أن تشارك في المعركة المنتَظَرة، وكانت قد سَرَت في مسلمي الأندلس قبل ذلك وخلاله روح جديدة، ذكرّتهم بأيام النّصر التّي سمعوا عنها الكثير، فشارك أمراء الطّوائف بقواتهم، وأعدّوا ما يمكن للمشاركة في البذل والتّضحية. (ولم يبقَ من ملوك الطوائف إلا من بادر أو أعان أو خرج، أو أخرج) ٢. فانضمّ المعتمد بقواته، وبعض قوات بعثها ابن صمادح صاحب المريّة الذي اعتذر عن عدم استطاعته الشّخوص بنفسه بسبب العدوّ الملاصق له بحصن لييط، من عمل لورقه، واعتذر بكبر السن مع الضعف. وساهم عبد الله بن بلكين صاحب غرناطة وأخوه تميم صاحب مالقة، وابن ذي النون، وانضمّ المتوكل بن الأفطس وكان أشدّهم حماسًا، وقصدته المتطوّعة من سائر بلاد الأندلس ٣. وكان يوسف خلال هذه الأيام صائم النّهار، وقائم اللّيل، في تهجّد، وتلاوة لآيات كتاب الله الكريم، وقد أكثر من الصّدقات، وأعمال البر، فتملّك نفوس أهل الأندلس، وكسب قلوب جنده بالنّصفة، وإيثار الحقّ، وإنشاء العدل. ووصله أثناء ذلك خبر موت ابنه أبي بكر، (فحيرّه حتى لهمّ بالانصراف عن وجهه. ثم آثر الجهاد، وانفذ مزدَلي (أحد قادته المشاهير) إلى مرّاكش) ٤ للقيام بتنظيم الأمور هناك.
وقام يوسف بتنظيم الجيش للتّحرّك من ظاهر أشبيلية، فجعل القوات الأندلسية لوحدها في المقدمة بقيادة المعتمد بن عباد، لمعرفتها التّامّة بأرض الأندلس، في حين جعل الجيوش المرابطيّة في المؤخرّة، ثمّ أمر بالتّحرّك إلى بطليوس، فتلقّاهم المتوكلّ عمر بن محمد الأفطس بما يجب من الضّيافات والأقوات وبذل المجهود ٥. فأقام الجيش هناك ثلاثة أيام للرِاحة في طرطوشة بالقرب من بطليوس ٦.
_________________
(١) ١حسن إبراهيم- تاريخ الِإسلام جـ٤ ص١٢١/ المعجب للمراكشي ص ١٣٢. ٢ نفح الطيب جـ٤ ص ٣٦٢. ٣ الكامل في التاريخ جـ٨ ص ١٤٢/ أشباخ- تاريخ الأندلس ص ٨٠/ وانظر ما كتبه عبد الله بن بلقين في كتابه التبيان- الحجي ص ٤٠٤. ٤ انظر: الحجي ص ٤٠٤، عن الحلة السيراء جـ٢ ص ١٠٠/ راجع دول الطوائف ص ٣١٩ و٤٤٧. ٥ نفح الطيب جـ٤ ص٣٦٤. ٦ انظر عن طرطوشة ياقوت جـ٤ ص ٣٠ وعن بطليوس: ياقوت جـ٤ ص ٤٤٧/ التواتي ص ٢٩٤.
[ ١٨٦ ]
Image p (١٨٧)
[ ١٨٧ ]
علم أمير المسلمين بتقدّم الجيوش الصّليبية، فأمر الجيش الإسلامي بالتّحرّك، إلى مكان مناسب، اختاره مع القادة ليكون موقع المعركة الفاصلة، وهذا المكان موضع سهليّ من عمل بطليوس وأحوازها على مسافة ١٢ كم شمالها الشرقي، في العدوة الشمالية للوادي اليانع، وبينه وبين نهر تاجه، تتخلله الأحراش، ويقع على حدود البرتغال الحاليّة ١، ويسميه المسلمون (الزلاقة) ٢، ويسميه الأوروبيون (ساكر الياس) ٣.
وفي هذا المكان وضع أمير المسلمين ترتيبًا جديدًا للجيش الإسلامي استعدادًا للمعركة الفاصلة، فجعل الفرسان المرابطين وعددهم عشرة آلاف في طَليعة الجيش، بقيادة أبي سليمان داود بن عائشة أشهر قادته الكبار، وذلك ليتلقّوا الصدمة الصليبية الأولى.
وجعل قوات الأندلس تليهم، وكانت تؤلف وحدها جيشًا خاصًّا، منفصلًا عن جيوش المرابطين، يقودها المعتمد بن عباد أمير أشبيلية أشهر ملوك الطّوائف.
كما جعل جيشه في المؤخرة، وعلى مسافة كبيرة من جيش الأندلس، وراء أكمة ليوهم العدو أنّ الجيش الذي يواجهه هو الأوّل والثّاني فقط.
وهكذا تحكّم المسلمون في اختيار موقع المعركة، ووضعوا خططهم على أساس ذلك، ونظمّ يوسف الاتّصالات السّريعة بينه كقائد أعلى للجيش وقواد الجيشين بحيث تأتي الأخبار سريعة. وجعل ابن تاشفين المعتمد بن عباد في قلب مقدّمة جيش الأندلس، والمتوكل بن الأفطس في الميمنة، وأهل مشرق الأندلس في الميسرة، وباقي الأندلسيين في السّاقة.
وجعل من جيشه المرابطي كمائن لتفاجيء العدو بعد اصطدامه بفرسان المرابطين وبجيش الأندلس، ولمنع الأندلسيين من الترّاجع أو الفرار، وضرب معسكره وراء ربوته العالية منفصلًا عن مكان القوات الأندلسيّة.
_________________
(١) ١عنان- دول الطوائف ص ٣٢١. ٢ وفيات الأعيان جـ٧ ص ١١٦/ المؤنس ص ١٠٨/ أعمال الأعلام جـ٢ ص ٢٤٦/ ياقوت جـ ٣ ص ١٤٦. والزلاقة الموضع الذي لا يمكن الثبوت عليه من شدة زلقه- لسان العرب جـ١٠ ص ١٤٤. ٣ التواتي ص ٢٩٥ وانظر الحجي- التاريخ الأندلسي ص ٤٠٥.
[ ١٨٩ ]