للعلماء المسلمين دور كبير في جميع عهود التاريخ الإسلامي، في الدّعوة إلى لمّ الشمل والوحدة، وإلى الجهاد. فمنذ سقوط الدولة العامرية في الأندلس وتفرّقها إلى طوائف، ارتفعت أصوات العلماء بالدّعوة إلى الوحدة، إدراكًا منهم للخطر الذي يتهدّد المسلمين من النّصارى، ومن العلماء الذين قاموا بجهود في هذا المجال:
ابن عبد البر: (أبو عمر يوسف بن عبد الله النّمري) علامة الأندلس والمغرب الكبير (ت عام ٤٦٣ هـ) عن عمر ناهز الخامسة والتسعين، فقد جلا عن وطنه قرطبة وتجوّل في
[ ١٧٨ ]
أنحاء الأندلس فسكن دانية، وبلنسية، وشاطبة وبها توفي. وولي قضاء الأشبونة، وشنترين في مدّة المظفّر بن الأفطس، وكان خلال تنقّله وتدريسه يدعو إلى نبذ التفرّق ولمّ الشّمل ١.
وابن حيان: (أبو مروان حيان بن خلف الأموي مولاهم) ٢، الذي علّق على أحداث الأندلس، وبشكل خاص نكبة بربشتر عام ٤٥٦هـ، وعلّل أسبابها، وأنحى باللائمة على النّاس والحكّام بما ارتكبوا في جنب الله من ذنوب إهمالهم، بتقصيرهم في الأخذ بالشريعة، وتهاونهم في تنفيذ أوامرها، مما جرّهم إلى حالة الفرقة وأذهبت قوّتهم فقد "أركستهم الذنوب، ووصمتهم العيوب، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معاني الغيّ بأقوياء، نشء من النّاس هامل، يعلّلون نفوسهم، من أوّل الدّلائل على فرط جهلهم بشأنهم وإغزارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصيّة رسوله نبيّهم ﵊، وهووهم عن النّظر في عاقبة أمرهم، وغفلتهم عن سدّ ثغرهم، حتى لظلّ عدوّهم السّاعي لإطفاء نورهم، يتبجّح عراض ديارهم، ويستقري بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفًا منهم وسرامة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهات عن لبهمّ، ما أن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا، ومحفل من محافلنا، مذكّر بهم أو داع لهم، فضلًا عن نافر إليهم أو مواس لهم، حتى كأن ليسوا منّا، وكأن فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالدّعاء بخلنا بالفناء، عجائب مغربة فاتت التّقدير، وعرضت للتّغيير، ولله عاقبة الأمور واليه المصير".
وقد أوقع ابن حيّان نصيبًا كبيرًا لهذه الأحوال على أمراء السوء في دول الطّوائف، الذين انحرفوا عن نهج الإسلام، ملوّمًا الناس لركونهم إلى أمثال هؤلاء الأمراء.
وأبو الوليد الباجي: (سليمان بن خلف التجيبي القرطبي (٤٠٣-٤٧٤ هـ) الذي جاب أقطار المشرق الإسلامي، فجاور بمكة ثلاثة أعوام، ورحل إلى بغداد ودمشق والموصل، واستغرقت رحلته ثلاثة عشر عامًا، عاد بعدها إلى وطنه فولي المضاء لأماكن متعدّدة، وصنّف التّصانيف الكثيرة ٣، ودعا إلى الوحدة من تلقاء نفسه أوّلًا، ثم نشط أكثر بعد حادثة بربشتر عام ٤٥٦ هـ تلك التي نبهت غيارى المسلمين إلى الخطر الكامن وراء هذه الأحداث المؤلمة، ثم عمه المتوكّل بن الأفطس، وشدّ من عضده، بل كلّفه أو وجّهه إلى الجهاد، فأخذت دعوته طريقها الرسمي بذلك.
_________________
(١) ١ انظر: وفيات الأعيان جـ٧ ص ٦٧/ سير أعلام النبلاء جـ ١٨ ص ١٥٣-١٦٣. ٢ البيان المغرب جـ٣ ص٢٥٥ نفح الطيب جـ٤ ص ٤٥٢- ٤٥٣/ الحجي ص ٣٦٥. ٣ سير أعلام النبلاء جـ١٨ ص٥٣٥- ٥٤٥/ العبرة جـ٢ ص ٣٣٢/ البداية والنهاية جـ١٢ ص١٢٢.
[ ١٧٩ ]
وابن حزم: (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد) الوزير الظاهري١، الذي تجوّل في الأندلس، داعيًا إلى الوحدة، ووجّه النّقد اللاّذع لملوك الطوائف وبين استهتارهم، وما أورثوا الأمة من الوهن والانحدار، ودعا إلى الجهاد، ومن جيد شعره في ذلك:
مناي من الدنيا علوم أبثّها وأنشرها في كلّ بادٍ وحاضر
دعاء إلى القرآن والسّنن التيِ تناسى رجال ذكرها في المحاضر
والزم أطراف الثّغور مجاهدًاَ إذا هَيْعة ثارت فأوّل نافر
لألقى حمامي مقبلًا غير مدبر بسمر العوالي والرّقاق البواتر
كفاحا ًَ مع الكفّار في حومة الوغى وأكرم موت للفتى قتل كافر
فيا ربّ لا تجعل حمامي بغيرها ولا تجعلنيّ من قطين المقابر
وهناك كثير من العلماء قاموا بدورهم في هذا المجال مثل: حاتم بن محمد الطرابلسي القرطبي المحدّث (ت عام ٤٦٩ هـ) ٢. وأبو العباس المعذري أحمد بن عمر بن أنس بن دلهات الأندلسي المدلائي ٣. وأبو عبد الله الحميدي محمد بن أبي نصر الميورقي ٤. وأبو المعالي إدريس بن يحي الأشبيلي ٥. والفقيه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد قاضى الجماعة بقرطبة ٦، وعبد الله بن غالب المالكي مفتى أهل سبتة ٧. وأبو القاسم المهلب بن أحمد الأسدي الأندلسي قاضي المرية ٨. ومكي بن أبي طالب القيسي ٩. ومحمد بن عبد الله المعافري محدّث قرطبة ١٠. وعثمان بن سعيد القرطبي الصيرفي ١١. وعبد الله بن الوليد الأنصاري الأندلسي ١٢. وابن العربي أبو محمد عبد الله الأشبيلي والد القاضي أبي بكر ١٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء جـ١٨ ص ١٨٤- ٢١٢/ العبر جـ ٢ ص ٣٠٦/ دول الطوائف ص ٤٢٠- ٤٢٣. ٢ سير جـ١٨ ص ٣٣٦/ العبرجـ٢ ص ٣٢٦/ شذرات الذهب جـ٣ ص ٣٣٣. ٣ العبر جـ ٢ ص٣٣٨/ سير١٨ ص ٧-٨. ٤ العبر٢ ص ٣٥٩/ شذرات جـ٣ ص ٣٩٢/ سير جـ ١٩ ص ١٢- ١٢٧/ الكامل في التاريخ جـ٨ ص ١٧٨/ البداية جـ١٢ ص ١٥٢. ٥ الحجي ص٣٤٨ ٦ الحجي ص ٣٥٠. ٧ العبر جـ٢ ص ٢٦٩/ شذرات جـ ٣ ص ٢٥٤. ٨ العبر جـ٢ ص ٢٧٢/ شذرات جـ٣ ص ٢٥٥. ٩ العبر جـ٢ ص ٢٧٣/ النجوم الزاهرة جـ٥ ص٤١. ١٠ العبر جـ٢ ص ٢٧٥/ شذرات جـ٣ ص ٢٦٣. ١١ العبر جـ٢ ص ٢٨٦/ شذرات جـ٢ ص ٢٧٢/ النجوم الزاهرة جـ٥ ص٥٤. ١٢ العبر جـ٢ ص ٢٩٢. ١٣ سير أعلام النبلاء جـ١٩ ص١٣٠- ١٣١.
[ ١٨٠ ]
والطلاعي أبو عبد الأحد بن الفرج القرطبي المالكي مفتي الأندلسي ومحدّثها ١. وحكم بن محمد أبو العاص الجذامي القرطبي مسند الأندلس ٢. والقاسم بن محمد بن هشام الرعيني السبتي المالكي ٣. وأحمد بن سليمان الباجي ٤. وأبو بكر محمد بن أحمد من أهلَ قرطبة الذي تطوّع محاولًا إزالة الخلافات بين ملوك الطّوائف، وسعى بجمع كلمتهم، وكان من بيت وزارة وجلالة ٥. كما اشترك في ذلك أبو الفتح نصر بن الحسنِ الترني الشاشي التنكتي من علماء المشرق (وتنكت من أعمال الشاش) وقد جاب البلاد محدّثًاَ وتاجرًا، وسمع في مصر والشام والأندلس وتوفي سنة ٤٨٦ هـ ٦.
وقد أسفرت جهود العلماء عن تكوين رأي عام لدى المسلمين في الأندلس، يطلب الوحدة، ويلحّ عليها، فاستجاب ملوك وأمراء الطوائف لهذا الِإلحاح وعلى رأسهم المعتمد ابن عباد الذي كان يملك أكثر البلاد الإسلامية الأندلسية، والذي كان يؤدي الضريبة لألفونسو السادس، وكان قد أرسلها كعادته، فردّها عليه الفونسو وأرسل إليه يتهدده ويتوعّده السير إلى مدينة قرطبة وامتلاكها إلا أن يسلّم إليه جميع الحصون التي في الجبل ويبقى السهل للمسلمين ٧. فأسقط في يد المعتمد كما أسقط بيد أمراء الطوائف، فاجتمعوا وتشاوروا، ولكنّهم أدركوا أن الأندلس الإسلامية بأوضاعها المنحلّة، وإغراق أهلها في النّعيم، ليست لديها القدرة على التصدّي للهجَمة الصّليبية القويّة، فبرزت فكرة الاستغاثة بالمرابطين لدى المعتمد الذي قال لابنه: "إن إخواننا وجيراننا ملوك الأندلس، ليس فيهم نفع، ولا يرجى منهم نصرة، ولا حيلة، إن نزل بنا مصاب أو نالنا عدوّ ثقيل، وهو اللّعين الأذفونش، وها هو قد رفع رأسه إلينا، وان نزل علينا بطليطلة ما يرفع عنّا حتى يأخذ اشبيلية" ٨.
_________________
(١) ١سير أعلام النبلاء جـ١٩ ص١٩٩- ٢٠١ ٢ نفسه جـ ١٧ ص ٦٥٩. ٣ نفسه جـ١٨ ص٦-٧. ٤ نفسه جـ١٨ ص٥٤٥-٥٤٦. ٥ الحجي- تاريخ الأندلس ص٣٤٩. ٦ سير أعلام النبلاء جـ١٩ ص٩٠-٩١. ٧ الكَامل في التاريخ جـ٨ ص١٣٨ /سير الأعلام جـ١٩ ص ٥٨. ٨ الحلل الموشية ص- ٥٢/ تاريخ المغرب الكبير ص ٧٢٠.
[ ١٨١ ]