ما نقصده باداب الحرب في الإسلام هو: مجموعة القواعد والمبادئ والتقاليد العسكرية التي أرساها الإسلام وطبقها النبي ﷺ، وكانت نصائحه ووصاياه دائما لقواد حملاته الحربية تدور في نطاقها، وهي تقاليد ومبادئ إنسانية في أهدافها، الغرض منها تخفيف ويلات الحرب على المقاتلين أنفسهم، فيحتم الإسلام على المسلمين الاعتناء بجرحى أعدائهم ومداواتهم وإطعامهم، ويحرم بطبيعة الحال الإجهاز عليهم أو إيذائهم بأي شكل من الأشكال. كما يطلب الإسلام من المسلمين تجنيب المدنيين شرور الحرب وأخطارها. فالإسلام مع اعترافه بالحرب
[ ١٧٧ ]
الدفاعية، واعتبارها حربا مشروعة. إلا أنه ميز تمييزا واضحا بين المقاتلين وغير المقاتلين. فواجب الجيش المسلم الاتجاه بقوته لتحطيم مقاومة المقاتلين فعلا في ميدان القتال. أما من لم يباشر القتال بنفسه من الأعداء فليس لنا أن نقتله أو نتعرض له.
وتعاليم النبي ﷺ واضحة في هذا الشأن؛ «فالأطفال والشيوخ والنساء والمرضى والمعتوهون، بل حتى الفلاحون في حرثهم، والرهبان في معابدهم، كل أولئك معصومون بحصانة القانون من أخطار الحرب» «١» . وبلغ السموّ الإسلامي إلى درجة أن الإسلام لا يحرص على تجنيب المدنيين من الأعداء ويلات الحرب فحسب؛ بل حرص على تجنيبهم مجرد الألم النفسي. فلقد مر بلال مؤذن الرسول ﷺ بامرأتين من نساء اليهود يوم خيبر على عدد من قتلى قومهما، فتألمتا لذلك، فلما علم النبي ﷺ بما صنع بلال وبّخه على ذلك وقال له: «أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما» «٢» .
والإسلام لا يحرص على سلامة أرواح غير المقاتلين من الأعداء فحسب، بل يوصي المقاتلين المسلمين بعدم التعرض للأهداف المدنية، وينهاهم عن التدمير والهدم والتحريق؛ لأن الإسلام جاء ليا بني الحياة ويعمرها، ولم يجيء ليهدم ويدمر. وحتى وهو في ميدان القتال لا ينسى أبدا تلك الأهداف النبيلة، وها هي ذي وصية أبي بكر الصديق ﵁ ليزيد بن أبي سفيان، وهو متوجه إلى ميدان القتال: « إنك ستلقى أقواما زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم وما فرغوا أنفسهم له ولا تقتلن مولودا، ولا امرأة، ولا شيخا كبيرا، ولا تعقرن شجرا بدا ثمره ولا تحرقن نخلا، ولا تقطعن كرما، ولا تذبحن بقرة ولا ما سوى ذلك من المواشي إلا لأكل» «٣» .
ومن تعليمات النبي ﷺ المتكررة، والتي أخذت صفة التواتر لقواده العسكريين، الالتزام بالنظام وحسن السلوك، وعدم اللجوء إلى أساليب السلب والنهب- التي كانت عادة الجيوش الغازية في تلك الأزمان بل في كل زمان- وعدم التمثيل بجثث القتلى، ولقد كان النبي نفسه﵊- مضرب المثل في الالتزام بهذه المبادئ والآداب العسكرية، وفي المسلك الإنساني في ميادين القتال. روى
_________________
(١) انظر: د. دراز- دراسات إسلامية (ص ١٤٣)، وانظر: صحيح الإمام مسلم (١٢/ ٤٨، ٤٩) فهناك تجد عدة أحاديث نبوية تنهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ.. إلخ.
(٢) ابن هشام- السيرة النبوية- القسم الثاني (ص ٣٣٦) .
(٣) محمد بن الحسن الشيباني- كتاب السير الكبير (١/ ٤٣١) .
[ ١٧٨ ]
أبو ثعلبة الخشني ﵁ قال: إن ناسا من اليهود يوم خيبر جاؤوا إلى رسول الله ﷺ، بعد تمام العهود. فقالوا: إن حظائر لنا وقع فيها أصحابك فأخذوا منها بقلا أو ثوما، فأمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف ﵁ فنادى في الناس: إن رسول الله يقول: «لا أحلّ لكم شيئا من أموال المعاهدين إلا بحق» «١» .
ولم تقف مثالية الإسلام ورسوله عند هذا الحد في آداب الحرب، بل وصلت إلى أن المسلمين كانوا إذا غنموا غنائم من الأعداء وكان فيها شيء له أهمية خاصة لهم، وطلبوه ردّه المسلمون عليهم. وقد صنع ذلك رسول الله ﷺ مع يهود خيبر، فقد كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوا خيبر عدة صحائف من التوراة، وقد طلب اليهود من النبي أن يسلمهم إياها، فأمر ﷺ بتسليمها لهم. «ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، ولا هو صنع صنيع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوارة» «٢» .
ليس هذا فحسب، بل إن الإسلام حرص على حماية أرواح الأسرى من الأعداء ولم يبح حتى استرقاقهم- خلافا لما يظن بعض الناس «٣» - وإنما أباح التشريع الإسلامي للقائد المسلم أن يتصرف في أسرى الأعداء بأحد طريقين، إما أن يمن عليهم بالحرية دون مقابل، وإما أن يقبل منهم الفدية ممثلة في مال يدفعونه أو عمل يؤدونه للمسلمين. وذلك كما صنع الرسول ﷺ مع أسرى المشركين في بدر، فمن كان له مال أخذ منه الفداء مالا، ومن لم يكن له ماله كلفه بأداء عمل مثل تعليم عدد من أولاد المسلمين القراءة والكتابة. صحيح أن الله تعالى عاتب نبيّه على فداء أسرى بدر كما جاء في سورة الأنفال في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: ٦٧]؛ لأن الموقف كان يومئذ يقتضي قتل أسرى المشركين لكسر شوكتهم، وإزاحتهم من أمام الدعوة الإسلامية. أما بعد أن
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٣٣) .
(٢) د. هيكل- حياة محمد (ص ٣٥٠) .
(٣) لا ننكر أن المسلمين كانوا يسترقون بعض الأسرى في بعض الأحيان، وذلك كان من قبيل معاملة الأعداء بالمثل؛ لأنهم كانوا يسترقون أسرى المسلمين، ولا ننكر أنهم كانوا في بعض الأحيان يقتلون بعض الأسرى، ولكن ليس لأنهم أسرى؛ وإنما من أجل جرائم خاصة خطيرة ارتكبوها في حق المسلمين. وذلك كأمر الرسول بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث من أسرى بدر. وتاريخهما في إيذاء الرسول والمسلمين معروف.
[ ١٧٩ ]
قوي الإسلام وأصبحت كلمة الله هي العليا، فلم يعد هناك مبرر لقتل الأسرى في الأحوال العادية. وذلك كما يفهم من آية سورة محمد وهي قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] فبيّنت أن الإمام مخير في الأسرى بين المن عليهم بالحرية دون مقابل، وبين الفداء بعمل أو مال، أو مبادلة أسير مسلم من الأعداء، ولم تشر الآية إلى إباحة قتل الأسرى أو استرقاقهم. وبلغت رحمة المسلمين بأسرى الأعداء أنهم كانوا إذا وقعت في أيديهم أسرة بكاملها لا يفرقون بين أفرادها. بل يجمعونهم ليعيشوا معا. أين هذا السلوك الإنساني في معاملة أسرى الحرب، من المصير المؤلم الذي يلاقيه أسرى الحروب في العصر الحديث الذي يدعى أهله أنهم متحضرون؟! وأين آداب الحرب في الإسلام من هذه الأعمال الهمجية التي صاحبت الحروب الاستعمارية الأوربية؟ تلك الأعمال التي كانت تأتي على الأخضر واليابس، ولا تفرق بين هدف عسكري وآخر مدني، ولم ينج من ويلاتها شيخ كبير ولا طفل صغير ولا امرأة، ولا زالت بشائع الحرب العالمية الثانية ماثلة أمام أعيننا باثارها التدميرية، خصوصا في هيروشيما ونجازاكي. ولكن تلك حروب استعمارية دفع إليها الحقد والتنافس والصراع بين الدول الأوربية على تقسيم المستعمرات ومناطق النفوذ، والاستيلاء على المواد الخام والأسواق، وامتصاص دماء الشعوب. أما الحرب المشروعة من وجهة نظر الإسلام فهي بريئة من كل تلك الشرور؛ لأنها حرب لها هدف إنساني، فلا يمكن أن تعمل على إبادة الإنسانية؛ لأن الإسلام ضد الحرب التي تشن بهدف التوسع والاستغلال والحصول على مناطق النفوذ إلخ.
ونختم هذا الموضوع بالآية الكريمة التالية: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] .
ومعناها واضح، وهو أن الذين يعملون من أجل الاستعلاء في الأرض ليس لهم نصيب في الآخرة.