بعد أن أقام الرسول ﷺ الدولة الإسلامية في المدينة- على النحو الذي بيناه- بقي نفوذها مقصورا- تقريبا- على المدينة وما حولها، وإن تجاوز ذلك فبعقد محالفات وصداقات مع بعض القبائل القاطنة على الطريق بين مكة والمدينة، وذلك لجذب هذه القبائل إلى صفه، أو على الأقل تحييدها في الصراع بينه وبين قريش، التي كانت عدوه الرئيسي، والتي وجه إليها كل نشاطه العسكري في تلك الفترة ليجبرها على التخلي عن عداوتها للإسلام، ويمثل ذلك النوع من المحالفات، تلك المحالفة التي عقدها رسول الله ﷺ مع بني ضمرة، الذين كانوا من أهم القبائل القاطنة في تلك الجهة.
وبالنظر إلى الكتاب الذي كتبه لهم رسول الله «٤» نجد أنه ينص على تأمينهم على أنفسهم وأموالهم وأن لهم النصرة على من رامهم إلا أن يحاربوا في دين الله، وأن النبي ﷺ إذا دعاهم لنصرته أجابوه، فهي إذن معاهدة دفاع مشترك بينهم وبين الرسول ﷺ ويوضح لنا هذا الكتاب أو هذه المعاهدة، أن النبي ﷺ نجح في أن يجذب إلى صفه القبائل التي كانت في الأصل صديقة لقريش وتمدها بالمعلومات عن تحركات المسلمين.
ويوضح لنا كذلك امتداد نفوذ النبي ﷺ وسلطانه، فكونه يضمن لبني ضمرة تأمين أنفسهم وأموالهم يدل على أنه أصبح الأقوى نفوذا وأن قوته معترف بها.
وظل النبي ﷺ يعمل في هذا الاتجاه، يقاوم قريشا ويتصدى لها، وفي نفس الوقت يعمل جاهدا في نشر الدعوة وتوسيع نطاق نفوذ الدولة لحماية الدعوة، ولكن
_________________
(١) الطبري (٢/ ٤٧٨) .
(٢) الطبري (٣/ ٩) .
(٣) الطبري (٣/ ٥٠) .
(٤) سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٥)، والسيرة النبوية لابن كثير (٢/ ٣٦٢) .
[ ١٥٣ ]
التقدم في هذا الاتجاه ظل بطيئا إلى عام الحديبية. فقد كانت الحديبية نقطة تحول كبرى في تاريخ الدعوة والدولة معا، فبعد الحديبية انفتح الطريق أمام انتشار الدعوة وامتداد الدولة وذلك بفضل بعد نظر الرسول ﷺ ومهارته السياسية الفائقة ففي شهر ذي القعدة من العام السادس الهجري أعلن الرسول عن عزمه للخروج معتمرا مسالما لا محاربا، وخرج بالفعل في ألف وأربعمائة من أصحابه، ولعله أراد أن يختبر نوايا قريش فلعلها راجعت موقفها من الدعوة- خصوصا بعد الهزائم العسكرية التي منيت بها- وتفتح معه صفحة جديدة، فها هو يمد يده إليها فماذا هي صانعة، وصل الرسول ﷺ إلى الحديبية بالقرب من مكة وواتته الأخبار بعزم قريش على منعه من دخوله مكة، واتصلت بينه وبينهم المفاوضات- التي لا نريد أن نقف عندها طويلا الآن- وانتهت إلى ما عرف بصلح الحديبية، والذي كان من أهم بنوده وأعظمها أثرا على مستقبل الدعوة والدولة ذلك البند الذي نص على هدنة أو فترة سلام بين الفريقين مدتها عشرة أعوام.
وقبل الرسول هذه المعاهدة- رغم المعارضة الشديدة من بعض أصحابه- واستثمرها بنجاح فائق ظهر أثره، واضحا بعد فترة وجيزة.
ذلك أنه ما إن استقر في المدينة بعد عودته من الحديبية حتى شرع في تنفيذ خطة واسعة النطاق لتبليغ الدعوة إلى جميع مناطق شبه الجزيرة العربية وإلى الدول الأجنبية المجاورة. ففي شهر المحرم من العام السابع الهجري أرسل ستة سفراء دفعة واحدة، إلى كسرى فارس وهرقل- إمبراطور الروم- والمقوقس في مصر، ونجاشي الحبشة، وأمير غسان بالشام، وزعيم بني حنيفة في اليمامة «١» .