، وهذا هو واجب أصحاب العقيدة، كما تحثهم عليه الآية الكريمة: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: ٣٩]، ونقول: الدفاع عن حرية نشر العقيدة، لا لنشر العقيدة؛ لأن العقيدة في حد ذاتها لا تحتاج إلى القوة لنشرها إذا خلت الطريق أمامها من العوائق، وإذا ابتعد الطغاة عنها وتركوها تشق طريقها إلى قلوب خلق الله في حرية وأمان.
هذه هي الحالات التي يسوغ فيها الإسلام الحرب، ويعتبرها عملا مشروعا.
والله ﷾ لم يأذن للمسلمين بالقتال إلا بعد أن تعرضوا للظلم أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: ٣٩، ٤٠] والتعبير في الآية الكريمة بالفعل المضارع يُقاتَلُونَ- مبنيّا للمجهول- ذو دلالة كبيرة مقصودة، فهو يدل على أن المسلمين تعرضوا فعلا للظلم وعندئذ كان لا بد من رفع الظلم عنهم ولا سبيل إلى ذلك أمام طغيان أعدائهم إلا حمل السلاح لرد العدوان. وحتى وهم في حالة الدفاع عن النفس فإن القرآن الكريم يذكرهم بألا ينسوا أن القاعدة الأساسية في علاقاتهم بالآخرين هي السلام، وإذا اضطروا للحرب فيجب حصرها في نطاق دواعيها فقط، أي: لرد العدوان دون زيادة من جانبهم، أو محاولة لتوسيع نطاقها. وفي كل الحالات يجب عليهم مراعاة تقوى الله ﷾: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٩٤] .
وفوق هذا فإن الله ﷾- الذي يعلم دخائل النفوس البشرية- ينبه المسلمين إلى ناحية هامة؛ وهي ناحية شعورية نفسية، فقد يضايقهم تصرف شاذ وظالم من
[ ١٧٦ ]
أعدائهم، وقد يحملهم هذا الشعور على التفكير في العدوان على هؤلاء الأعداء، وعندئذ يطالبهم الله تعالى بضبط النفس وكفها عن العدوان: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة: ٢] . هل هناك ما هو أروع من هذا السلوك في تنفير المسلمين من الحرب، ودعوتهم إلى كظم غيظهم وحصر الحرب في أضيق نطاق.
وحتى في حالة الحرب فإن القائد المسلم مدعو من الله ﷾ إلى تفاديها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإذا لاحت أمامه فرصة ولو ضئيلة لتحاشي الحرب، وتحقيق السلام- ولو بشيء من التضحية- فيجب عليه ألا يدع هذه الفرصة تفلت من يده. وهذا هو موقف الرسول ﷺ عام الحديبية- كما سنبين فيما بعد- يعتبر أوضح برهان على نظرة الإسلام إلى الحرب. فإذا أبدى العدو أيّ ميل إلى السلام؛ فعلى القائد المسلم أن يستجيب: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال: ٦٢] . ومجيء هذه الآية الكريمة مباشرة بعد الآية التي تدعو المسلمين إلى الاستعداد العسكري القوي المؤثر الذي يرهب الأعداء، وهي قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: ٦٠]؛ يدل على أن الاستعداد العسكري لا يعني بالضرورة الحرب، بل قد تؤتي القوة ثمرتها دون أن تستخدم، أو قد يرهبها العدو ويلقي سلاحه ويجنح إلى السلام، ويكفي الله المؤمنين شر القتال. هذا هو موقف الإسلام من الحرب، فهي ضرورة ويجب أن تقف عند مقتضياتها المشروعة، ويجب أن تبتعد عن أساليب التدمير، وهذا يدعونا إلى معرفة آداب الحرب في الإسلام.