السلام والإسلام مشتقان من مادة واحدة، والسلام اسم من أسماء الحق ﷾، والجنة اسمها دار السلام، وتحية الملائكة للمؤمنين في الجنة حين يلقونهم هي السلام، وتحية أهل الجنة في الجنة هي السلام، وتحية المسلم للمسلم حين يتلاقيان هي السلام، والسلام والإسلام يلتقيان في توفير الأمن والطمأنينة والسكينة للنفوس المؤمنة.
والإسلام دين الرحمة والعدل والسلام، ورسول الإسلام هو رسول الرحمة والسلام، أرسله ربه رحمة للعالمين، وجعله بالمؤمنين رؤوفا رحيما.
لذلك كان طبيعيّا أن ينادي الإسلام بالسلام، وكان طبيعيّا كذلك أن ينطلق في صياغة علاقاته الدولية مع الأمم الآخرى من مبدأ السلام. ونقصد بالعلاقات الدولية في دولة الإسلام في عهد النبي ﷺ تلك العلاقات التي نشأت بين الأمة الإسلامية وبين أية مجموعة أخرى غير مسلمة، أنّى كان موقعها وموقفها.
ولذلك تعتبر علاقات النبي ﷺ مع قريش- قبل فتح مكة- من هذا الباب؛ لأن قريشا كانت حينئذ مشركة ومعادية للإسلام، شنت عليه حربا شعواء استمرت ما يقرب من عشرين عاما. والأسس التي قامت عليها علاقات النبي ﷺ مع قريش- قبل فتح مكة- هي تقريبا نفس الأسس التي قامت عليها علاقات المسلمين الدولية مع الفرس والروم وغيرهم. وكانت علاقة المسلمين الدولية بغيرهم تقوم على تقديم السلام من جانب المسلمين واعتباره الأصل في العلاقات الدولية، واعتبار الحرب ضرورة لا يلجأ إليها إلا عند مقتضياتها، ويجب حصرها في نطاق هذه
[ ١٧٣ ]
المقتضيات وحدها. وسنبين مقتضيات الحرب في الإسلام في صفحات تالية في هذا البحث إن شاء الله.
وآيات القرآن الكريم قاطعة الدلالة على أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم هو السلام، وكذلك أقوال الرسول ﷺ وأعماله وسيرته. فمن الآيات الكريمة الدالة على ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ٢٠٨]، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النساء: ٩٦]، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [النساء: ٩٤]، وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال: ٦١]، لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨] . هذه الآيات تعود بالحرب إذا نشبت إلى الأصل الطبيعي في العلاقات وهو السلم، ولو كان الأمر على العكس لما دعي المسلمون إلى التزام جانب السلام إن جنح إليه غيرهم، وأظهروا حسن نواياهم، ولو لم يكن منهم إيمان بالإسلام، وحينئذ فعلى المسلمين قبول السلم بكل ضروبه وأشكاله. وعلى هذا النحو كانت أقوال النبي ﷺ وأفعاله وسيرته في الحروب والمسالمات، فظل الرسول ﷺ يدعو إلى دين الله في مكة ثلاث عشرة سنة حتى يتقرر الأصل في السلام، واستأنف الدعوة السلمية في المدينة، ولولا تجدد بعض المشاكل والمنازعات، ولولا بغي المشركين لاستمرت السلم. وقد قال ﷺ فيما روى البخاري ومسلم: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية » «١»
فالرسول ينهى عن الرغبة في الحرب وتمنيها حتى مع العدو، ويسأل الله أن يديم نعمة السلم «٢» .
وهكذا يتضح لنا- بما لا يدع مجالا للشك- أن القاعدة في العلاقات الدولية في دولة الإسلام هي السلم، وأن الحرب هي الاستثناء، وسنقدم- بإذن الله- في ثنايا هذا البحث الأدلة العملية على هذا الموقف الأصيل للإسلام في ميدان علاقاته الدولية.
_________________
(١) د. وهبه الزحيلي- آثار الحرب في الفقه الإسلامي (ص ١٣٤) - نقلا عن منتخب كنز العمال من مسند أحمد (٢/ ٣٢٣) .
(٢) د. وهبه الزحيلي- المرجع السابق (ص ١٣٤) .
[ ١٧٤ ]