في الفترة المكية من حياة الإسلام، كان النبي ﷺ مشغولا بأمر قريش ودعوتها إلى الإسلام، ومقاومتها للإسلام. فلم يكن ممكنا ولا منطقيّا أن يخاطب العالم الخارجي ويدعوه للإسلام، قبل أن يسلم أهل مكة وهم أهله وعشيرته الأقربون.
ولم يحدث اتصال- في تلك الفترة- بأمم أخرى غير العرب، سوى ذلك الاتصال
[ ١١١ ]
الذي حدث مع الحبشة عند هجرة المسلمين إليها في العام الخامس من البعثة النبوية «١» .
كذلك في السنين الأولى بعد الهجرة، لم تتهيأ الفرصة أمام النبي ﷺ للاتصال بالعالم الخارجي؛ لأنه كان أمامه مهمات شاقة كان لا بد أن ينجزها قبل أن يخاطب العالم، ليبلغ رسالته للناس جميعا. كان أمامه أمر بناء الدولة الإسلامية وإرساء دعائمها، وكانت أمامه قريش، التي لا زالت مصرة على مقاومة الدعوة وصد الناس عنها. والحقيقة أن موقف قريش من الإسلام كان في غاية الخطورة؛ لأن بقية العرب كانوا يتربصون بإسلامهم أمر قريش؛ لأن قريشا كانوا أئمة العرب وأهل البيت الحرام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك. ولذلك كان النبي ﷺ يعطي لأمر قريش الأولوية على سواه. «فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوخها الإسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله » «٢» .
وكان أمام النبي ﷺ مشكلة اليهود، وتامرهم على الإسلام والمسلمين، وكيدهم لهم. وقصة اليهود مع الإسلام منذ ظهورة قصة طويلة، فمنذ هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة بدأت فصول هذه القصة التي لم تنته بين الإسلام واليهود حتى الآن.
وعند هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة عاهد اليهود واعتبرهم مواطنين في دولة الإسلام، وضمن لهم حرية عقيدتهم وشعائرهم الدينية وأحسن معاملتهم «٣» . ولكنهم لم يحسنوا هذه المعاملة؛ لما جبلوا عليه من لؤم الطبع والمكر والخيانة؛ فهم شر الدواب الذين ينقضون عهدهم في كل مرة، ولا يرعون عهدا ولا وعدا.
فبعد الانتصار الرائع للرسول ﷺ على قريش في غزوة بدر الكبرى، في رمضان من السنة الثانية للهجرة، تحركت أحقاد يهود بني قينقاع وحزنوا على هزيمة قريش، وأظهروا استياءهم لانتصار المسلمين، وأخذوا يتحرشون بهم، ولم يراعوا ما بينهم وبين المسلمين من عهود، فنقضوها ونكثوا بها، فأجلاهم النبي ﷺ عن المدينة «٤» .
_________________
(١) انظر قصة الهجرة إلى الحبشة في ابن هشام (١/ ٣٤٣) وما بعدها.
(٢) البداية والنهاية- ابن كثير (٥/ ٤٠) وانظر كذلك الروض الأنف- السهيلي (٧/ ٣٥٧)، والكامل ابن الأثير (٢/ ٢٨٦) .
(٣) راجع نصوص معاهدة المدينة- ابن هشام (٢/ ١١٩) وما بعدها، محمد حميد الله- الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة (ص ٤١) وما بعدها، وحياة محمد. د. هيكل (ص ٢٢٥) وما بعدها.
(٤) انظر في أمر بني قينقاع سيرة ابن هشام (٢/ ٤٢٦) . وابن كثير- البداية والنهاية (٤/ ٣، ٤) .
[ ١١٢ ]
ثم جاء دور بني النضير بعد غزوة أحد في العام الهجري الثالث، وتامرهم لقتل النبي ﷺ، مما جعل طردهم من المدينة أمرا ضروريّا؛ جزاء هذا المكر الخبيث، وتخليص عاصمة الإسلام من هذا الميكروب اللعين «١» . ولكن بني النضير لم يتعظوا بما حل بهم، فقد استمروا في التامر ضد الرسول والمسلمين، ولعبوا دورا خطيرا في تأليب قريش وحلفائها لمهاجمة المدينة فيما عرف بغزوة الأحزاب في نهاية العام الخامس للهجرة، كما تولى زعيمهم حيىّ بن أخطب أمر تأليب بني قريظة وحملهم على نقض عهودهم مع النبي ﷺ، والانضمام إلى قريش والأحزاب في محاولة استئصال المسلمين، وأوقعهم في ارتكاب الخيانة العظمى ضد الدولة الإسلامية في وقت الحرب. الأمر الذي جعل لزاما على النبي ﷺ أن يعاقبهم العقاب العادل، فلم يكد الأحزاب يرجعون خائبين، حيث ردهم الله تعالى بغيظهم لم ينالوا خيرا، حتى تحرك الرسول بسرعة وحاصر يهود بني قريظة وقضى عليهم «٢» . ولكن دسائس اليهود وأحقادهم لم تنته بطرد بني قينقاع وبني النضير من المدينة، واستئصال بني قريظة، بل استمروا في التامر من خيبر «٣» وغيرها من المستعمرات اليهودية في شمال المدينة، الأمر الذي كان يشكل عقبة كبيرة في طريق انطلاق الدعوة الإسلامية، وكان وجود اليهود في خيبر وما جاورها من واحات يهودية في شمال المدينة بينها وبين الشام، يعد خطرا على الدعوة الإسلامية التي لا بد أن تسلك هذا الطريق لتخرج إلى العالم. ولذلك لم يكد الرسول ﷺ يعود من الحديبية في نهاية العام السادس للهجرة حتى تحرك لحصار اليهود في خيبر، والقضاء على أخطر وكر من أوكار الخيانة والغدر ضد الإسلام في شبه الجزيرة العربية. داهم الرسول ﷺ اليهود في خيبر، وصاح الصيحة التي زلزلت الأرض تحت أقدامهم: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» «٤» بدأت المعارك في خيبر شرسة، ولكن تحت ضربات جند الله القوية، أخذت حصون خيبر المنيعة تتساقط في أيدي المسلمين بما فيها ومن فيها، وأذعنوا واستسلموا وطلبوا الصلح، هنا يقدم لنا
_________________
(١) انظر في أمر بني النضير ابن هشام (٢/ ١٩١) وانظر كذلك ابن كثير (٤/ ٧٤) .
(٢) انظر في أمر بني قريظة ابن هشام (٣/ ٢٥٢) وانظر كذلك محمد أحمد باشميل- غزوة مؤتة (ص ٧، ٨) ومنتجومري وات- محمد في المدينة (ص ٣٢٤) . ود. هيكل- حياة محمد (ص ٣٢) وما بعدها.
(٣) منتجومري وات- محمد في المدينة (ص ٣٣٢) .
(٤) ابن هشام (٣/ ٣٨٠) .
[ ١١٣ ]
النبي ﷺ مثلا رائعا في العفو والتسامح والإنسانية، فقد كان قادرا على إبادتهم نهائيّا ومحوهم من الوجود. ولكنه لم يأت ليدمر ويبيد الناس، وإنما جاء هاديا ورحمة للعالمين، ومعلما للدنيا كلها. ولم يكن ليهدف إلا لإزالة العقبات من أمام الدعوة الإسلامية حتى تشق طريقها للناس في حرية وأمان. فقبل مصالحتهم وأبقاهم في أرضهم وديارهم، ولم يصنع أحد قبل النبي ﷺ، ولا بعده مثل هذا الصنيع مع عدو ماكر خبيث، فلو أن أي قائد آخر وقف مثل هذا الموقف، لما كنا ننتظر منه سوى القضاء عليهم قضاء تامّا، ولكنه الرحمة المهداة للبشرية كلها. انتهى أمر اليهود في خيبر على هذا النحو، كما انتهى أمر اليهود الآخرين في المستعمرات اليهودية القريبة الآخرى في فدك وتيماء ووادي القرى على نحو مشابه وخضعوا لمثل ما خضع له يهود خيبر «١»، ولكنهم دائما تحت المراقبة الحذرة من جانب المسلمين.