أشرنا فيما سبق إلى أن النبي ﷺ، بدأ يعطي عناية بالغة إلى جبهة حدود الدولة الإسلامية مع الشام- حيث يسيطر الروم- منذ بداية العام الخامس الهجري، حيث غزا بنفسه دومة الجندل، ثم أغزى زيد بن حارثة وادي القرى ثم أغزى عبد الرحمن ابن عوف دومة الجندل ثانية، وذلك لإظهار هيبة الإسلام في هذه الجهات ثم لإنذار القبائل العربية فيها، بأن التعرض للمسلمين بأي أمر لن يمر دون عقاب. ولكن يبدو أن هذه القبائل لم تفهم، أو لم ترد أن تفهم ذلك فدأبت على الاعتداء على المسلمين وبصفة خاصة على قوافل التجار المسلمين التي تمر بهم، ولم يسلم منهم حتى رسل النبي ﷺ، فبينما كان دحية بن خليفة الكلبي عائدا من عند هرقل- بعد أن سلمه رسالة النبي- تعرض له بعض من قبائل جذام، وأغاروا عليه، وأخذوا كل شيء معه «١» .
ثم بلغت هذه الاعتداآت قمتها في هذا العمل الغادر الدنيء وهو قتل الحارث بن عمير الأزدي، مبعوث النبي ﷺ إلى أمير بصرى، وإليك رواية ابن سعد عن هذا الحادث: «بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فقتله، ولم يقتل لرسول الله ﷺ، رسول غيره، فاشتد ذلك عليه- أي: على النبي- وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف.. وأوصاهم رسول الله ﷺ بأن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا، وإلا استعانوا بالله وقاتلوهم.. فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون معان من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرقل قد نزل ماب من أرض البلقاء
_________________
(١) ابن الأثير- الكامل (٢/ ٢٠٧) .
[ ١١٧ ]
في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام» «١» .
الأمر إذن ليس أمر اعتداآت عفوية متفرقة، على الإسلام والمسلمين، وإنما هو أخطر من ذلك بكثير، هو تحالف ضخم بين القبائل العربية وبين الروم ضد دولة الإسلام الوليدة، وضد الدعوة الإسلامية والتصدي لها ومقاومتها، وهو ما لم يمكن السكوت عليه من جانب المسلمين ولذلك كانت مؤتة وكان ما تلاها من أحداث وتطورات بين المسلمين والروم.