والذي يهمنا من أمر هذه الرسائل الآن، هو أمر رسالته إلى كسرى فارس؛ فقد كانت هذه الرسالة وما ترتب عليها من رد فعل مفتاح إسلام أهل اليمن، ودخولهم
_________________
(١) انظر رسائل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء المعاصرين له في ابن حجر- فتح الباري بشرح صحيح البخاري (١/ ٣٢) وما بعدها (٨/ ١٢٧)، وصحيح مسلم- بشرح النووي (١٢/ ١٠٧، ١٠٨)، وتاريخ اليعقوبي (٣/ ٦٧) وما بعدها، وابن الأثير الكامل في التاريخ (٢/ ١٤٥)، والسيرة الحلبية (٣/ ٢٤٤) وما بعدها، ومحمد حميد الله- مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة (ص ٨١) وما بعدها، وأحمد زكي صفوت- جمهرة رسائل العرب (١/ ٣٢) وما بعدها، ود. محمد حسين هيكل- حياة محمد (ص ٣٨٣) وما بعدها.
[ ١٥٤ ]
ضمن نفوذ الدولة الإسلامية.
والذي حمل رسالة النبي ﷺ إلى كسرى أبرويز بن هرمز، هو عبد الله بن حذافة السهمي، فلما أوصل إليه الرسالة، وقرئت عليه استبد به الغضب والغرور وقال: يكتب إليّ وهو عبدي- يقصد النبي ﷺ- وطرد عبد الله بن حذافة- مبعوث النبي ﷺ- من المدائن، ثم أرسل كتابا إلى باذان- عامله على اليمن- أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به «١» .
فامتثل باذان لأمر سيده، وأرسل قائدين من قواده هما خرخسرو وبابويه ومعهما عدد من الجنود، وقال لبابويه: ائت بلد هذا الرجل وكلمه وائتني بخبره فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلمه بابويه فقال: إن شاهنشاه- ملك الملوك كسرى- قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت، فهو من قد علمت، فهو مهلك، ومهلك قومك، ومخرب بلادك، فقال لهما رسول الله ﷺ: «ارجعا حتى تأتياني غدا» وأتى رسول الله الخبر من السماء وأن الله سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله، فدعاهما فأخبرهما، فقالا له: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب هذا عنك ونخبر الملك؟ قال: «نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وقولا له: إن أسلمت أعطيت ما تحت يديك وملكتك على قومك من الأبناء» «٢» .
أوصل رسولا باذان رسالة النبي ﷺ إليه ثم جاءته الأخبار من فارس تصدق ما أخبر به النبي ﷺ، فلم يلبث باذان أن أراد الله به خيرا وشرح صدره للإسلام، وأرسل إلى النبي ﷺ وفدا برئاسة فيرزز الديلمي بإعلان إسلامه وإسلام الأبناء من أهل اليمن «٣» .
وأقره النبي ﷺ على حكم المناطق التي كان يتولاها تحت الإدارة الفارسية، والتي يبدو أنها كانت قاصرة على منطقة صنعاء وما حولها؛ لأن النبي ﷺ ولى ولاة آخرين على بقية مناطق اليمن التي تتابع دخولها في الإسلام، وكانت سياسة النبي ﷺ أن يولي على كل قوم زعيما منهم. وكيفما كان الأمر فإن باذان كان
_________________
(١) انظر نص كتاب النبي ﷺ إلى كسرى في الطبري (٢/ ٦٥٤، ٦٥٥) .
(٢) المصدر السابق (٢/ ٦٥٦) .
(٣) المصدر السابق (٢/ ٦٥٦) .
[ ١٥٥ ]
أول ملوك العجم الذين أسلموا وولاه النبي ﷺ الحكم باسم الإسلام «١»، وهذا أبلغ دليل على عالمية الإسلام وسماحته وارتفاعه فوق القوميات والعصبيات فرجل أعجمي وأجنبي عن البلاد يسلم فلا مانع إطلاقا من أن يحكم تحت راية الإسلام.
ومن ولاة اليمن معاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وعلي بن أبي طالب، وعمرو بن حزم الأنصاري، ومر تنظيم حكم اليمن وتقسيم مناطقه بمراحل حيث أصبح بعد حجة الوداع على النحو التالي:
١- مخلاف صنعاء وعليه شهر بن باذان.
٢- مخلاف حضر موت وعليه زياد بن لبيد البياضي.
٣- مخلاف الجند- عاصمة حمير- وعليه معاذ بن جبل وكان له الإشراف على بقية المخاليف وتجمع عنده الأموال ليرسلها إلى الرسول ﷺ في المدينة.
٤- مخلاف تهامة وعليه الطاهر بن أبي هالة «٢» .