لما وقعت حادثة اغتيال مبعوث النبي ﷺ، الحارث بن عمير الأزدي، كان لا بد من عقاب من قام بهذا العمل الغادر؛ لأن دماء الرسل والسفراء والمبعوثين مصانه في كل عرف وفي كل زمان ومكان، فإذا اعتدى أحد على مبعوث من مبعوثي النبي بهذا الشكل الدنيء؛ فإن هذا يعتبر إهانة بالغة للإسلام والمسلمين، وإذا لم يرد المسلمون على هذا العدوان؛ فإن هذا في أقل تقدير سيطمع فيهم أعداءهم ويجرئهم على تكرار هذا الفعل مرات عديدة، خصوصا في هذه المناطق التي لا غنى للمسلمين عن المرور فيها، دعاة أو تجارا أو مجاهدين أو مبعوثين لذلك كان الرد والعقاب أمرا مشروعا، فندب النبي ﷺ المسلمين للقيام بهذه المهمة وأمرهم أن يقصدوا إلى المكان الذي استشهد فيه الحارث بن عمير ﵁ وقبل القتال أمرهم النبي أن يدعوا الناس إلى الإسلام فإن أجابوا، فعندئذ يكونون قد اعتذروا عن فعلتهم وكفروا عن ذنبهم، فلا داعي لقتالهم. أما إذا رفضوا الإسلام، فإنهم بهذا يؤكدون إصرارهم على عدائهم للإسلام ومقاومته، وعندئذ كانت أوامر الرسول ﷺ لجنوده بأن يستعينوا الله عليهم ويقاتلوهم. وكانت المهمة على هذا النحو محدودة تحديدا دقيقا. فهي مهمة تأديبية. لتأديب شرحبيل بن عمرو الغساني ومن ظاهره على هذه الجريمة، ولم يرد فيها ذكر للروم إطلاقا، بل ربما لم يرد في ذهن النبي ﷺ أن الروم سوف يتصدون للمسلمين بهذه الأعداد الهائلة. فنحن نعرف من حذر النبي وحيطته أنه لو فكر في الروم وتصور أن يدخلوا مع المسلمين في حرب لاستعد لذلك استعدادا أكبر ولكانت الحملة على نطاق واسع، فالروم دولة قوية وإمكانياتها هائلة،
_________________
(١) ابن سعد- الطبقات (٢/ ١٢٨، ١٢٩) وانظر سيد قطب- في ظلال القرآن (١٠/ ١٨٣) .
[ ١١٨ ]
وهي قد انتصرت على دولة ندّ لها وهي دولة الفرس التي كانت تنازعها زعامة العالم المعروف حينئذ، فلو قدر النبي أن المسلمين سوف يضطرون لحرب الروم لأمدهم بإمدادات أكبر. على كل حال توجهت حملة مؤتة إلى وجهتها وعلى رأسها القواد الثلاثة الذين عينهم النبي ﷺ، وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، فلما وصلت الحملة وعلم قوادها أن الروم جمعوا جموعهم لحربهم «أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإمّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجع الناس عبد الله بن رواحة» «١» .
أي: إن المسلمين قدروا خطورة الموقف وتدارسوه، ولولا غلبة حماسة عبد الله ابن رواحة عليهم لربما اختلف الموقف واختلفت النتيجة. أو لو أرسلوا إلى النبي لكان من الممكن أن يمدهم بالرجال، أو يرى رأيا فيه نجاحهم وانتصارهم، ولكن قدر الله وما شاء فعل.
سرت كلمات عبد الله بن رواحة في روح الجند وحمستهم للقتال خصوصا عندما قال: «يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين، فانطلقوا فما هي إلا إحدى الحسنيين، فقال الناس: صدق والله، وساروا» .
بدأت حرب عاتية شرسة بين جيشين ليس بينهما أدنى تكافؤ، فماذا يصنع ثلاثة آلاف في مواجهة مائتي ألف من الروم والعرب الذين ينضوون تحت سلطانهم، وقاتل جند الله- كما هو العهد بهم- قتالا مجيدا، واستشهد قوادهم الثلاثة على التوالي، ثم آلت القيادة إلى عبقري الحرب، سيف الله خالد بن الوليد ﵁ الذي نظر إلى الموقف نظرة ثاقبة، وقدر بفطرته العسكرية، وحرصه على المسلمين أن الاستمرار في الحرب أمر خطر قد يؤدي ببقية المسلمين، ورأى أن الحكمة تتطلب منه أن ينقذ المسلمين من الهلاك فوضع خطته البارعة للانسحاب وانسحب بمن بقي من المسلمين وعاد إلى المدينة حيث استقبلهم الناس مظهرين استياءهم من موقفهم، وعيروهم وقالوا لهم: «يافرار فررتم في سبيل الله» وكان تقدير الناس أنهم فروا من المعركة ولم
_________________
(١) انظر عن غزوة مؤتة المصادر الآتية: ابن هشام (٢/ ٤٢٠)، الروض الأنف- السهيلي (٢/ ١٢) وما بعدها. ابن سعد- الطبقات (٢/ ١٢٨) وما بعدها. ابن الأثير- الكامل (٢/ ٢٣٥) .
[ ١١٩ ]
يكن هذا صحيحا، فالفرار لم يكن من خلق المسلمين الصادقين أبدا ولن يكون.
ولكن الرسول ﷺ قدر موقفهم ورفع معنوياتهم وقال: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله» .
وهكذا أصبح جليّا أن الروم قد أعلنوها حربا شعواء على الإسلام ودولته. ولكن المسلمين سوف يلقنونهم درسا قاسيا، وسوف يرغمون هرقل على أن يغادر الشام وإلى الأبد. وقلبه يقطر دما وهو يقول: «وداعا يا سوريا وداعا لا لقاء بعده» .