الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وبعد؛ عندما ظهر الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي، كان هناك دولتان كبيرتان تقتسمان الزعامة على العالم المعروف يومئذ، وهما دولتا الفرس والروم. فقد كان الروم يبسطون سلطانهم على الشام ومصر- منذ قرون عديدة- وبذلك يطوقون شبه الجزيرة العربية- مهد الإسلام- من الشمال والشمال الغربي، وكان الفرس يبسطون سلطانهم على اليمن والعراق، وبذلك يطوقون شبه الجزيرة العربية من الجنوب والشرق.
وقد ظهر الإسلام في الوقت الذي كانت الحرب فيه مشتعلة بين الفرس والروم فالعداء بن الدولتين قديم ومزمن. وفي أثناء هذا الصراع الأخير بينهما تغلب الفرس على الروم في البداية، وقهروهم واكتسحوا أهم وأغنى ولاياتهم في الشرق، وهي الشام ومصر، ووصلوا في زحفهم إلى مدينة الإسكندرية عام ٦١٩ م «١» . وقد ألحق الفرس بالروم إهانة كبيرة عندما استولوا على فلسطين- مهد المسيحية- ونقلوا الصليب المقدس إلى بلادهم- كان كل ذلك يجري «إبّان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة والمشركين، ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب، دينهم النصرانية وكان الفرس غير موحدين دينهم المجوسية فقد وجه المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد، وفألا حسنا لانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان» «٢» .
ومعنى هذا أن العرب في شبه الجزيرة العربية، والمسلمين والمشركين على السواء كانوا على علم بما يدور حولهم بين الدولتين الكبيرتين. وكان المشركون فرحين بانتصار الفرس على الروم، وفي نفس الوقت كان المسلمون يحبون أن ينتصر الروم على الفرس، ودخل المسلمون في نقاش وجدل حول هذه القضية، ولمن تكون
_________________
(١) د. عبد القادر أحمد اليوسف- الإمبراطورية البيزنطية (ص ٩٤) .
(٢) سيد قطب- في ظلال القرآن (٢١/ ٢٢) .
[ ١٠٩ ]
الغلبة في النهاية. فحسم القرآن الكريم الأمر في سورة من سوره المكيّة التي سميت باسم سورة الروم فقال تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم: ١- ٥] .
جاءت هذه الآيات الكريمة «تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين» «١» .
وقد تحقق ما تنبأ به القرآن الكريم، وكان حتما أن يتحقق ما أنبأ به العليم الخبير فمع بداية العقد الثالث من القرن السابع الميلادي، بدأ تيار الحرب يتجه ليسير لصالح الروم، وأحرزوا انتصارات كبيرة على الفرس، وطردوهم من مصر والشام، في أقل من ست سنوات (٦٢٢- ٦٢٧ م) ولا حقوهم في بلادهم ذاتها «وفتحت معركة نينوي (سنة ٦٢٧ م) في العراق، التي اندحر فيها الفرس الطريق أمام البيزنطيين- الروم- للزحف على بلاد فارس «٢»» .
وهنا نلاحظ وجود توافق أو اتفاق بين أحداث تاريخية كبيرة فهل كان هذا التوافق مجرد مصادفات؛ أو أنه يسير وفق قوانين كونية وتدبير خفي لا يعمله إلا علام الغيوب وحده ﷾؟!!.
فقد بعث النبي محمد ﷺ (سنة ٦١٠ م) . وهي نفس السنة التي اعتلى فيها هرقل عرش الإمبراطورية البيزنطية، وأخذ يهيئ الدولة لحرب الفرس وبدأ هجومه عليهم (عام ٦٢٢ م) وهو نفس العام الذي هاجر فيه النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، وتمكن هرقل من هزيمة الفرس- كما أسلفنا- ووقّع معهم (سنة ٦٢٨ م) معاهدة صلح استعاد بمقتضاها كل المناطق التي استولوا عليها، ثم استرد الصليب المقدس «٣» وعاد هرقل من جولته مع الفرس منتصرا، قاصدا بيت المقدس ليرد الصليب المقدس إلى مكانه، ويحج إلى القدس شكرا لله على انتصاره على الفرس.
وهنا جاءته رسالة من النبي محمد ﷺ، يدعوه فيها إلى الإسلام، وكان ذلك بعد
_________________
(١) سيد قطب- في ظلال القرآن (٢١/ ٢٢) .
(٢) د. عبد القادر أحمد اليوسف- الإمبراطورية البيزنطية (ص ٩٥)، وانظر كذلك سانت موسى- ميلاد العصور الوسطى (ص ٢٣٣) .
(٣) الإمبراطورية البيزنطية د. عبد القادر أحمد اليوسف (ص ٩٥) .
[ ١١٠ ]
صلح الحديبية الذي كان في نهاية العام السادس الهجري.
فهل توافق كل هذه الحوادث الكبيرة والخطيرة، والتي غيرت مجرى التاريخ العالمي كله، وأثرت في مصير البشرية، ووجهته وجهة جديدة، هل كان هذا التوافق مجرد مصادفات، أو أن في الأمر تدبيرا إلهيّا يريده الله ولا ندرك نحن أبعاده؟ الله وحده هو الذي يعلم حقيقة ذلك.
على كل حال كان من حسن الحظ- كما أسلفنا- أن الإسلام ظهر وقوي واشتد عوده ومضى على ظهوره ما يقرب من عشرين عاما، قبل أن يتنبه الفرس والروم كلاهما لخطورة ما حدث، ولم يقدروا أبعاده، ولم يستطيعوا أن يفهموا أن دينا جديدا قد نزل، وأن دولة جديدة قامت على أساس هذا الدين. وأن العرب- الذين كانوا يحتقرونهم بالأمس- سوف يخرجون من جزيرتهم تحت راية هذا الدين. وسوف يدعونهم للدخول في دينهم، فإن أجابوا فهم إخوانهم؛ لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن رفضوا وقاوموا الدين وصدوا الناس عنه؛ فسوف يحاربونهم ويقهرونهم جميعا، وينتزعون منهم سيادة العالم، وسوف يخلصون الشعوب من نير حكمهم واستغلالهم، ويوجهون مصيرها وجهة صالحة نافعة، ويخرجونها من ضلالات الوثنية والشرك بالله إلى توحيده توحيدا خالصا من كل شائبة، وسوف يقيمون العلاقات الإنسانية على أسس فاضلة ومثل عليا. فلما بدأ الفرس والروم جميعا. يدركون أن الإسلام خطر على سلطانهم، وأرادوا مقاومته كان الوقت متأخرا جدّا بالنسبة لهم. ففي خلال هذه السنوات التي انشغل فيها الفرس بالروم والروم بالفرس، استطاع النبي ﷺ أن ينشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية. وأن يؤسس دولة الإسلام الفتية. وأن يخرج بالإسلام من شبه الجزيرة العربية إلى العالم، فالإسلام لم يأت للعرب وحدهم، وإنما لكل الجنس البشري، وهنا بدأت العلاقات بين المسلمين والروم.