ما قيل عن يهود يثرب من حيث تاريخ مجيئهم إلى الحجاز، ومن حيث أصلهم، يقال عن يهود خيبر، غير أن يهود خيبر يختلف موقفهم عن يهود يثرب من الدعوة الإسلامية، فإذا كان يهود خيبر قد علموا بأمر الدعوة منذ البداية، فهذا شيء طبيعي، وإذا كانوا يتحدثون عنها ويتناقلون أخبارها وتطورها، فهذا شيء طبيعي كذلك، فالدعوة الإسلامية ليست حدثا عاديا، وإنما منذ أن ظهر أمرها وهي حديث الجزيرة العربية كلها، ولا همّ للناس إلا أن يعرفوا ماذا فعل محمد ﷺ، وماذا فعلت قريش معه؟ هذا كله شيء طبيعي ومنتظر من يهود خيبر، غير أن المصادر التي بين أيدينا لا تحدثنا عن موقف محدد ليهود خيبر من الدعوة، ولا ندري سببا لسكوت المصادر عنهم في المرحلة المكية، فهل طغى موقف يهود يثرب واهتمت به المصادر وأهملت أمر خيبر، أم أن يهود خيبر أنفسهم قد تركوا أمر التصدي للدعوة ليهود المدينة ووقفوا هم على الحياد؟ يبدو أن هذا هو الأظهر؛ لأننا لم نسمع أن خيبر قد أرسلت أحدا إلى مكة، لتحريض أهلها على النبي ﷺ كما فعل ذلك يهود المدينة كثيرا ويبدو أن موقف يهود خيبر الحيادي هذا قد استمر حتى بعد الهجرة؛ فرغم ما حدث بين النبي ﷺ وبين يهود المدينة، وبصفة خاصة،
_________________
(١) انظر تفاصيل بيعة العقبة الثانية في: ابن هشام- السابق نفسه (٤٧) .
[ ٧٧ ]
قينقاع، والنضير، وقريظة، وما دأبوا عليه من الغدر والمكر والخيانة، الأمر الذي اضطره إلى إجلاء بعضهم وقتل البعض الآخر، فلم نسمع أن يهود خيبر تحركوا لنصرة يهود يثرب أو الوقوف معهم. غاية ما في الأمر أنهم قبلوا بعضهم لاجئين في بلدهم، ومن هنا بدأ موقف يهود خيبر يتغير، أو قل: إن الذين لجؤوا إليهم من يهود المدينة- خاصة من بني النضير- قد أفسدوهم، وغيروهم وحولوا خيبر إلى وكر خبيث للكيد وتدبير المؤامرات والمكائد ضد الإسلام. وهنا كان لا بد من العقاب فقرر النبي ﷺ غزو خيبر، وبعد أن غزاهم وانتصر عليهم، كان رحيما معهم فلم يصنع بهم ما صنع مع يهود المدينة، بل صالحهم على نصف ثمار بلدهم، وأبقاهم فيها وأعطاهم أمانا، وهذا يدل على أنهم لم تكن لهم مواقف عدائية سابقة مع الدعوة، فقدّر لهم النبي ﷺ هذا واكتفى بتأديبهم وكسر شوكتهم «١» .
_________________
(١) انظر تفاصيل غزوة خيبر في: ابن هشام- المصدر نفسه (٣/ ٣٧٨) وما بعدها.
[ ٧٨ ]
بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الاسلامي قراءة ورؤية جديدة