كان من الطبيعي أن ينتشر أمر الدعوة، وبصفة خاصة بعد أن جهر بها رسول الله ﷺ بين العرب عامة؛ لأنه ما إن جهر بها حتى أصبحت حديث مكة كلها. وأمر خطير كهذا لا بد أن يتردد صداه في كل بلاد العرب؛ لأنه ما من قبيلة من قبائل العرب بعدت ديارها عن مكة أو قربت، إلا كان يأتي بعض رجالها إلى مكة في موسم الحج، ومكة بلد تجاري، لها ارتباطات تجارية كانت تتعدى حدود بلاد العرب نفسها، فإليها يفد الناس لشتى الأغراض، ومنها تخرج الوفود والقوافل التجارية ومن ثم يمكن القول: إن أخبار مكة تصل إلى جميع بلاد العرب، بل خارج بلاد العرب. وكان من عادة العرب أن يجتمعوا في الموسم، كما كانوا قبل الموسم وبعده يجتمعون في الأسواق العربية الشهيرة مثل عكاظ ومجنة وذي المجاز- القريبة من مكة- والتي كانت تعتبر فوق غرضها التجاري منتديات أدبية وسياسية لتبادل المعلومات والأخبار عن أحوال العرب. وكان من الطبيعي أن يكون أمر رسول الله ﷺ ودعوته على رأس الموضوعات التي يدور حولها الجدل والنقاش وتبادل الأفكار والآراء، وتعود وفود العرب بعد الموسم إلى ديارها فيكون خبر الرسول ﷺ والرسالة أهم الأخبار التي يعودون بها.
وكان من الطبيعي كذلك أن تكون يثرب من أوائل المدن العربية التي يتردد فيها صدى دعوة النبي ﷺ، ويكون له دوي يختلف عن دويه في غيرها من المناطق؛ ذلك لأن لأهل يثرب علما مسبقا بها، مما كانوا يسمعونه من مواطنيهم اليهود الذين كانوا يعلمون ذلك من كتبهم المقدسة، يقول ابن إسحاق: «فلما انتشر أمر رسول الله ﷺ في العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ حين ذكر وقبل أن يذكر، من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون
[ ٦٨ ]
من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء ومعهم في بلادهم» «١» .
ولكن رغم ذلك فإن ما توحي به لنا المصادر- التي بين أيدينا- أن موقف أهل يثرب من الدعوة في البداية، وقبل الاتصالات التي تمت بين بعضهم وبين الرسول ﷺ، تلك الاتصالات التي انتهت ببيعتي العقبة، اللتين مهدتا للهجرة، كان مشابها لموقف سائر العرب، وهو موقف الترقب والانتظار، واعتبار الأمر يخص قريشا وحدها. وكان بين أهل يثرب وأهل مكة صلات طيبة ومصاهرات. «فقد أصهر هاشم بن عبد مناف إلى بني النجار، وظل ابنه عبد المطلب على صلة وثيقة بأخواله هؤلاء، كما كان لغيره من زعماء مكة صداقات مع زعماء يثرب، فقد كان أمية بن خلف الجمحي صديقا لسعد ابن معاذ الأشهلي زعيم الأوس، كما كان العاص بن وائل السهمي وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس وغيرهم، على صلات طيبة ووثيقة بأهل يثرب» «٢» . لذلك كان أهل يثرب حريصين على استمرار تلك الصلات الطيبة مع مكة، ولم يشاؤوا أن يقحموا أنفسهم في أمر كانوا يعتبرونه خاصّا بها، وكان يهمهم أن تحل مكة مشكلاتها مع المحافظة على وحدتها وصلاح ذات بينها؛ لذلك لما ترامت إليهم أخبار تصاعد موقف أهل مكة في عداوتهم للنبي ﷺ وإيذائهم له، أظهروا قلقهم وخوفهم من حدوث حرب أهلية بين أهل مكة بسبب النبي ﷺ، ودفع هذا القلق رجلا من أهل يثرب، هو أبو قيس بن الأسلت، إلى أن يحذر قريشا من مغبة التمادي في عداوتها للنبي ﷺ، وينصحها بعدم اللجوء إلى الحرب. يقول ابن إسحاق: فلما وقع ذكره- أي: رسول الله- بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الأسلت- وكان يحب قريشا وكان لهم صهرا- قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا فيها عن الحرب، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض، ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف عن رسول الله ﷺ ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده، فقال:
أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن مغلغلة عني لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم على النّأي محزون بذلك ناصب
أعيذكم بالله من شر صنعكم وشر تباغيكم ودس العقارب
_________________
(١) ابن هشام- المصدر نفسه (١/ ٢٩٩، ٣٠٠) .
(٢) أحمد إبراهيم الشريف- المرجع نفسه (ص ١٤٨) .
[ ٦٩ ]
أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم لنا غاية قد يهتدي بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة تؤمون والأحلام غير عوازب
وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر لكم سرة البطحاء شم الأرانب «١»
ودلالة هذه القصيدة، أن أهل يثرب كانوا يحرصون على أن تنهي قريش عداوتها للنبي، وأن تقبل دعوته، وإذا هي فعلت فإن العرب سيتبعونها؛ لأنها إمام العرب وهاديهم «٢» وخليقة بأن تسن لهم دينا يؤمنون به. ويعني ذلك أن أهل يثرب كسائر العرب كانوا يعلقون اتباعهم للنبي على إيمان قريش به ومتابعتها له، لكن موقف يثرب هذا سيتغير ويتطور، ولن تنتظر يثرب حتى تؤمن قريش بالنبي ﷺ، بل سيأخذون زمام المبادرة، وسيدعونه إلى بلدهم ويكونون هم بقيادته ﷺ الذين سيجبرون قريشا على الإذعان للدعوة بالقوة.