لقد خيبت ثقيف أمل النبي ﷺ، عندما ذهب إليهم يعرض عليهم دعوته ويلتمس منهم النصر والمؤازرة، وردوه ردّا قبيحا أثر فيه وآلمه، ولكنه لم ينل من عزيمته وإصراره على المضي قدما في تبليغ رسالته مهما كانت الصعاب، ولذلك كانت الفترة التي أعقبت رحلة الطائف من أقسى الفترات على النبي ﷺ. ولقد عبر نفسه ﵇ عن ذلك عندما سألته السيدة عائشة ﵂ قائلة: «هل أتى عليك يوم هو أشد من يوم أحد؟» فأخبرها أن ما رآه من أهل الطائف وما سببه له ذلك الموقف كان أشد وأقسى «١» .
ولقد ازدادت مناوآت قريش وأذاها للرسول ﷺ وأصحابه في تلك الفترة، لموت خديجة وأبي طالب، ولكنه لم يضعف ولم يهن، وبدأ يعرض نفسه على وفود القبائل العربية التي كانت تأتي الموسم، لعله يجد من بينهم نصيرا أو معينا، بعد أن صدته وآذته قريش ولم يجد خيرا عند ثقيف، فعرض نفسه على كندة وكلب وبني حنيفة وبني عامر بن صعصعة وغيرهم «٢»، فلم يجد عند أحد منهم خيرا.
والحقيقة أن هذه القبائل كانت ترى أنها لو تابعت محمدا فإن قريشا سوف تعتبر هذا عداء سافرا لها، ولم يكن أحد من العرب يود أن يفتح بينه وبين قريش بابا للعداء؛ وذلك لمكانة قريش من العرب، وللروابط العديدة التي كانت تربطها بها، كما أن قريشا كانت تلاحق النبي ﷺ؛ لتنفّر الناس منه ولتفسد عليه أمره «٣» . ولكن بينما كانت
_________________
(١) ابن كثير- السيرة النبوية (٢/ ١٥٢) .
(٢) ابن هشام- المصدر نفسه (٢/ ٣٢، ٣٣) .
(٣) قال ابن إسحاق: «وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي؛ فقال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: «يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني حتى أبين عن الله ما بعثني به» قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم -
[ ٧٣ ]
الأمور تجري على هذا الوضع الصعب في مكة، وبينما كان خصوم الدعوة يظنون أنهم حاصروها وجعلوها تسير في طريق مسدود، كانت المقادير تهيئ للدعوة قوما آخرين اختارهم الله تعالى لها أنصارا ولنبيه أتباعا، فجاءت تباشير النصر من يثرب.
فبينما كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل في المواسم- دون جدوى- كان عرب يثرب مشغولين في التحضيرات لحرب بعاث، التي كانت آخر مراحل الصراع بينهم، وقد جاء إلى مكة وفد من بني عبد الأشهل على رأسهم أبو الحيسر ابن رافع يلتمسون حلف قريش على بني عمهم الخزرج، فسمع بهم رسول الله ﷺ، فأتاهم وقال لهم: «هل لكم في خير مما جئتم إليه؟» قالوا: وما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأنزل عليّ الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن» . فقال أحد أعضاء الوفد، وهو إياس بن معاذ: «أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له» «١» . ولكن رئيس الوفد رده بأنهم مشغولون بغير هذا.
وإذا كان هؤلاء في شغل بأمر الحرب، فقد شاء الله تعالى أن يلقى النبي ﷺ في الموسم نفسه رجالا من الخزرج، فتكلم إليهم بمثل ما تكلم به إلى الأوس؛ فشرح الله صدورهم للإسلام، وقال بعضهم لبعض: «يا قوم، والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه» . فأجابوه وصدقوه وقالوا له: «إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقوم عليهم، وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الذين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا وقد آمنوا وصدقوا» «٢» .