اختلف صدى الدعوة لدى يهود يثرب عنه لدى عربها، فاليهود كانوا أعلم الناس بأمر رسول الله ﷺ، حتى قبل أن يبعث؛ لأنه مذكور عندهم في كتبهم، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم. يقول تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ.. [الأعراف: ١٥٧] .
فكان المنتظر من اليهود أن يكونوا أول من يؤمن برسول الله ويصدقه ويؤازره، وكان من المفروض أن يسعوا إليه في مكة ويسبقوا العرب، لعلمهم بصدقه وصدق رسالته، وأنها آخر الرسالات، وهم أنفسهم كانوا يستفتحون على العرب بقرب ظهور الرسول، وأنهم عندما يظهر سيؤمنون به ويقاتلونهم معه قتل عاد وإرم «٣» . لكن الواقع أن الذي حدث من اليهود كان عكس المنتظر تماما «٤»، فما أن علموا بظهور النبي ﷺ
_________________
(١) القصيدة طويلة. انظرها في ابن هشام (١/ ٣٠٠- ٣٠٥) .
(٢) ابن خالدون- المقدمة (ص ١٦٣) .
(٣) ابن هشام- المصدر نفسه (١/ ٢٣١) .
(٤) لم يكن هذا هو موقف كل اليهود، بل كان موقف الغالبية العظمى منهم، وهناك قلة قليلة جدّا آمنوا بالله ورسوله، كما تشير الآية رقم (١٥٧) من سورة الأعراف المكية، فهي صريحة بإسلام بعض اليهود في مكة وإن كان عددهم قليلا. فالآيات المكية يستلهم منها أنه لم يكن في مكة يهود كثيرون، وإنما كانوا أفرادا مستقرين أو أفرادا يترددون عليها، أو أفرادا من النوعين. انظر على سبيل المثال الأنعام: ١١٤، يونس: ٩٤، الرعد: ٣٦، الإسراء: ١٠٧، ١٠٨، القصص: ٥٢، ٥٣، الشعراء: ١٩٦، ١٩٧، والنمل: ٧٦ وانظر محمد عزة دروزة- المرجع نفسه (ص ٤٠٤) وهامشها.
[ ٧٠ ]
حتى انزعجوا ودب الحسد إلى قلوبهم بل أكلها أكلا، وتحرك فيهم الخلق والطباع القديمة الكامنة، من المكر والخديعة والخبث، وأظهروا التعالي والغطرسة والادعاء بالتفوق على سائر البشر، وآيات القرآن الكريم صريحة في أن عدم إيمان اليهود برسالة النبي ﷺ مع علمهم بصدقه، يرجع إلى الحسد والبغي. ويكفي أن نشير إلى قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [البقرة: ٨٩، ٩٠] .
بل لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان، بل دفعهم الحسد والبغي وعماء البصائر إلى التورط الفاضح والمخزي في تفضيل الوثنية على الإسلام، فقد أفتوا أهل مكة بأن وثنيتهم أفضل من الإسلام. فقد روى ابن كثير في تفسيره مرفوعا إلى عكرمة قال: «جاء حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم- أي: أهل مكة-: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد. فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا:
نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن، ونفك العاني ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا. فأنزل الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا «١» [النساء: ٥١، ٥٢] .
إذن موقف اليهود من الدعوة كان موقف الحسد والبغي والرفض، وتحريض قريش على الرسول ﷺ، وتفضيل وثنيتهم على ما جاء به من التوحيد، والأكثر من ذلك أنهم كانوا يغرونهم بتوجيه أسئلة للنبي ﷺ، يصوغونها لهم هم أنفسهم، ظنّا منهم- لعنهم الله- بأنها ستعجزه وتحرجه، كما حدث منهم عندما ذهب إليهم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، موفدين من قريش لسؤالهم عن النبي ورسالته «٢» . هذا هو موقف اليهود من الدعوة وصداها لديهم، بغض وكفر وكيد وتحريض.