منذ أن عاد رجال الخزرج الذين التقوا برسول الله ﷺ لأول مرة إلى بلدهم، ونقلوا إلى هناك ما سمعوه من النبي ﷺ، بدأ الموقف في يثرب يتبدل تبدلا كاملا وانتهت مرحلة الانتظار والترقب واعتبار الأمر يخص قريشا وحدها، وبدأت مرحلة جديدة، هي مرحلة الاتصالات المباشرة بصاحب الدعوة (﵊)، والتفاهم معه، ومعرفة المزيد من أخبار الدعوة. ولم يكونوا يجهلون أن مجرد الاتصال بالنبي ﷺ في مكة، سوف يضعهم في مواجهة مع قريش. وخلاصة القول بدأ عرب يثرب يتهيؤون، أو قل هيأهم الله للدخول في الإسلام ولنصرة نبيه، فما أن وصل مصعب بن عمير مع رجال بيعة العقبة الأولى إلى المدينة، حتى اتخذ من منزل أسعد بن زرارة ﵁ مقرّا له، وأخذ يشرح للناس ما هو الإسلام ويقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وأخذ أناس يقبلون عليه إقبالا عظيما. وأخذت دائرة الذين آمنوا بالله ورسوله تتسع، وكان للباقة هذا الداعية العظيم، وسعة أفقه وعلمه وإخلاصه لما يدعو إليه، كان لهذا كله أكبر الأثر في نجاحه الكبير في اجتذاب أهل يثرب إلى الإسلام، وجعله حديث كل لسان، حتى أنه في لحظات استطاع إقناع أكبر زعيمين من زعماء الأوس، وهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ﵁، فتحولا من معارضين للدعوة إلى أنصار متحمسين لها، وكان لإسلامهما أكبر الأثر في إسلام الأوس بأسرها لمكانتهما منها. وهكذا نجح مصعب بن عمير في إدخال الإسلام إلى دور الأنصار؛ «فلم يبق دار من دور المدينة إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات» على حد تعبير ابن إسحاق «٢» .
_________________
(١) المصدر السابق نفسه (٢/ ٣٩- ٤٢) .
(٢) المصدر السابق نفسه (٢/ ٤٦) .
[ ٧٥ ]