ولما كانت الدولة الإسلامية قد قامت على أساس الرسالة الإسلامية فينبغي أن نقول كلمة عن طبيعة الدعوة الإسلامية؛ لأن ذلك يعيننا على فهم طبيعة الدولة الإسلامية، وفهم أهدافها العليا.
فالرسالة الإسلامية من حيث طبيعتها رسالة عالمية، أي: لم تأت لفريق دون فريق
[ ١٣٥ ]
ولا لأمة دون أمة من الناس، ولا لمكان دون مكان، ولا لزمان دون زمان؛ بل هي عالمية الزمان والمكان وموجهة للجنس البشري كله. وتلك الطبيعة تحددها نصوص القرآن الكريم بشكل قاطع في نصوص قطعية الدلالة. منها قول الله تعالى- مخاطبا النبي ﷺ-: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: ٢٨]، ومنها قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]، ومنها قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨]، ومنها قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير ٢٧- ٢٩]، ومنها قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] إلى غير ذلك من الآيات التي توضح أن رسالة الإسلام موجهة إلى الجنس البشري كله.
كما أن رسول الله ﷺ عند ما أمر بالجهر بالدعوة طبقا لأمر الله له بقوله:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر ٩٤] جمع وجوه قريش وزعماءها وأعلن لهم رسالته، وكان مما قاله لهم: «إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة» .
والرسالة الإسلامية من هذه الناحية تختلف عن الرسالات السماوية التي سبقتها، فتلك الرسالات كانت محدودة الزمان والمكان والبيئة، بمعنى أن كل رسول كان يرسل إلى قوم معينين في زمان معين أيضا، لذلك نجد أكثر من رسول متزامنين ومتجاورين كذلك، كما هو الحال بالنسبة لإبراهيم ولوط- عليهما الصلاة والسلام- فقد كان إبراهيم في فلسطين ولوط في الأردن.
والقرآن الكريم في إخباره لنا بتلك الرسالات وضح لنا طبيعتها فيقول عن نوح ﵇:
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ [نوح: ١]، وعن إبراهيم ﵇: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ [الشعراء: ٦٩، ٧٠]، وعن هود ﵇: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [الأعراف: ٦٥]، وعن صالح ﵇: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٧٢] وعن موسى ﵇: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف: ٥]، وعن عيسى ﵇- وهو آخر الأنبياء قبل بعثة محمد ﵊-: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، وهكذا لا نجد رسالة سماوية وجهت إلى الجنس البشري عامة سوى رسالة الإسلام.
[ ١٣٦ ]
وغني عن البيان أن هذا لا يقلل من شأن الرسل السابقين- حاشا لله- ولا من شأن رسالاتهم؛ لأن طبيعة رسالاتهم وضع اقتضاه تطور الجنس البشري وتدرجه العقلي، وكل منهم أدي دوره وكان لبنة صالحة في بناء صرح عقيدة التوحيد، فلما نضجت البشرية واكتمل رشدها وأصبحت مهيئة لتقبل وفهم رسالة عالمية في مبادئها وأهدافها؛ جاءت هذه الرسالة على يد خاتم الأنبياء محمد﵊، الذي صور موقع رسالته من رسالات السماء أدق تصوير فيما يرويه البخاري عنه حيث قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟» قال: «فأنا اللبنة» «١» .
ولا يظن أحد أن معنى عالمية الإسلام أنه يجب على المسلمين أن يحملوا سلاحهم لفرض الإسلام على الناس بالقوة- كما يدعي أعداء الإسلام- فهذا أمر غير وارد بنصوص القرآن الكريم: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] والمتأمل لنصوص القرآن الكريم يعلم أنها توضح أن حمل الناس على اعتناق دين واحد أمر يكاد يكون مستحيلا؛ يقول الله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩]، ويقول تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣] إذا فهمنا هذا أدركنا أن معنى عالمية الإسلام أنه دين يلائم كل الناس من كل جنس ولون وأنه دين مفتوح لكل البشر وطريق الدخول إليه كلمة يقولها الإنسان فيصبح بعدها مسلما له كل الحقوق وعليه كل الوجبات مثل بقية المسلمين مهما كان جنسه أو لونه تلك الكلمة هي: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» فهو ليس دين الصفوة المختارة كما يدعي اليهود ولكنه دين كل الناس، وسبيل دعوة الناس إليه في الظروف العادية حددها القرآن الكريم للنبي ﷺ في قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] .
هذا عن طبيعة الرسالة الإسلامية، فماذا عن طبيعة الدولة الإسلامية؟
_________________
(١) ابن حجر- فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٦/ ١٥٨) المطبعة السلفية- القاهرة بدون تاريخ.
[ ١٣٧ ]