بعد أن انسحب الروم من أمام النبي ﷺ، عسكر بجيشه في تبوك بضع عشرة ليلة، فماذا صنع في هذه الأيام القصيرة التي قضاها هناك؟ لقد انسحبت الروم تهيبا من لقاء الرسول. فيجب أن يقضي على نفوذهم أيضا، وأن يزيل ما بقي لهم من هيبة عند سكان هذه المنطقة. وهم أهل أيلة وأذرح والجرباء ودومة الجندل «١» .
ولكن كيف؟ سكان هذه الواحات كانوا يخضعون للروم بصورة أو بأخرى، وينفذون سياستهم، والروم قد انسحبوا من الميدان، وهذه الواحات ستكون على أكبر قدر من الأهمية بالنسبة للمسلمين في صدامهم القادم والأكيد مع الروم، فسوف تكون هذه المناطق ممرات لجحافل المسلمين، ويجب أن يؤمنوا هذا الطريق ويخضعوه لسلطانهم، ويقضوا على كل أثر لسلطان الروم على هذه المناطق.
الروم قد انسحبوا من الميدان، ولو كان الرسول ﷺ يهدف إلى فرض الإسلام على الناس بقوة السلاح كما يزعم أعداء الإسلام، لما كان أسهل من ذلك بالنسبة لهذه المجموعات الصغيرة والضعيفة من سكان أيلة وأذرح والجرباء ودومة الجندل؛ لأنهم لم يكن في مقدورهم أن يرفضوا أو يقاوموا بعد أن انسحب أكبر جيش على وجه الأرض في ذلك الوقت أمام المسلمين. ولكن فرض الإسلام بالقوة أمر غير وارد؛ لأنه لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] لذلك لما جاء وفد أيلة وعلى رأسه يحنّة بن رؤبة «٢» إلى النبي ﷺ يبدون استعدادهم لقبول شروطه رحب بهم، وأفهمهم أنهم إن لم يقبلوا الإسلام عقيدة فلن يكرهوا على ذلك، بل من حقهم أن يظلوا على
_________________
(١) أيلة: بالفتح مدينة على ساحل بحر القلزم- البحر الأحمر- مما يلي الشام. أذرح: وهو اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. الجرباء: موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام، قرب جبال السراة من ناحية الحجاز. راجع معجم البلدان لياقوت. عن أيلة (١/ ٢٩٢) - وعن أذرح (١/ ١٢٩) وعن الجرباء (١/ ١١٨) . أما دومة الجندل فقد سبق تعريفها.
(٢) انظر ابن الأثير (٢/ ٢٨٠) .
[ ١٢٦ ]
عقيدتهم بشرط أن يدفعوا الجزية كدليل على الخضوع وعدم المقاومة للإسلام: فقبلوا ووافقوا على دفع الجزية، وعاهدهم النبي ﷺ، وأمنهم على عقائدهم وأرواحهم وممتلكاتهم، وهذا هو نص المعاهدة التي أعطاها لأهل أيلة: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله، ومحمد رسول الله، ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر» «١» .
وحذا أهل أذرح والجرباء حذو أهل أيلة، فعاملهم النبي ﷺ نفس المعاملة وكتب أمان مماثلة لأمان أهل أيلة «٢» .
أما دومة الجندل، فاستسلم أميرها أكيدر بن الملك الكندي بعد غارة خاطفة شنها عليه خالد بن الوليد، وقدم به على النبي ﷺ «فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله» «٣» .
رتب النبي ﷺ إذن أوضاع منطقة الحدود الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية.
ومهد الطريق الذي سوف يسلكه المسلمون في خلافة الصديق لقهر الروم، وطردهم نهائيّا وإلى الأبد من المنطقة. وبسط عليها هيبة الإسلام، ومكن لنفوذ المسلمين فيها، كما أجهز على هيبة الروم عند سكان المنطقة، وعاد إلى المدينة بجيشه العظيم تحفّه رعاية الله وتحرسه عنايته، ليواصل مسيرته من أجل تثبيت دعائم الإسلام.