الرواية المشهورة أن محمد بن إسحاق ألف كتابه- السيرة والمبتدأ والمغازي- في العراق بتكليف من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، فالبغدادي في تاريخ بغداد، وابن خلكان في وفيات الأعيان «١»، وغيرهما ممن ترجموا لابن إسحاق: يروون أنه وفد على أبي جعفر المنصور في الحيرة، وذلك قبل أن يتم بناء بغداد وينتقل إليها المنصور- ولقد انتقل المنصور إلى بغداد واتخذها عاصمة لدولته (سنة ١٤٥ هـ) - وبينما كان ابن إسحاق عند المنصور، ودخل عليه محمد بن المنصور- الذي لقب بالمهدي بعد أن أصبح خليفة بعد وفاة أبيه- فقال المنصور لابن إسحاق: أتعرف هذا يا ابن إسحاق؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين. قال: اذهب فصنف له كتابا منذ خلق الله آدم ﵇ إلى يومنا هذا. فذهب فصنف له هذا الكتاب، فقال المنصور: لقد طولته يا ابن إسحاق، فاذهب فاختصره. فاختصره، فهو هذا الكتاب المختصر، وألقى الكتاب الكبير في خزانة أمير المؤمنين.
معنى هذا أن سيرة ابن هشام التي بين أيدينا، والتي هي تلخيص لسيرة ابن إسحاق الأصلية، هي تلخيص التلخيص، أو مختصر المختصر، وأن الكتاب الأصلي كان كبير الحجم جدّا ولم يصل إلينا لسوء الحظ، حتى تلخيص ابن إسحاق الأصلي لم يصل إلينا كاملا حتى الآن، وإن كنا سمعنا أنهم عثروا عليه مخطوطا في المملكة المغربية ولكنهم يتكتمون أمره، وحتى الآن لا نعرف ما إذا كانوا عثروا عليه حقيقة أم لا، وإذا كانوا عثروا عليه هل نشروه أم لا، وكل ما نعرف منه هو
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد (١/ ٢٢٠)، ووفيات الأعيان (٤/ ٢٧٧) .
[ ٤٢ ]
ما جاءنا عن طريق ابن هشام والذي يعرفه الناس الآن بسيرة ابن هشام والرواية السابقة عن تكليف أبي جعفر المنصور لابن إسحاق بكتابة كتاب في التاريخ من بدء الخليفة إلى وقته هي المشهورة، ومع شهرتها فإن النفس لا تطمئن إليها؛ بل يمكننا أن نقول: إن محمد بن إسحاق قد ألف كتابه، أو وضع أصوله على الأقل قبل أن يغادر المدينة المنورة إلى العراق؛ وذلك للأسباب الآتية:
أولا: تنص تلك الرواية المشهورة- التي أوردها البغدادي وابن خلكان وغيرهما- على أن الخليفة أبا جعفر المنصور طلب من ابن إسحاق أن يؤلف لابنه وولي عهده- محمد المهدي- كتابا منذ خلق الله آدم إلى وقته الذي هو فيه، وذلك الوقت وإن لم يحدد بدقة، فهو بالتأكيد بعد (سنة ١٣٦ هـ)، وهي السنة التي تولى فيها أبو جعفر المنصور الخلافة- بعد وفاة أخيه أبي العباس السفّاح- وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا توقف ابن إسحاق بالكتاب عند وفاة الرسول ﷺ ولم يضمنه شيئا سوى سيرة الرسول ﷺ، إلا ما كان من حديثه عن مؤتمر السقيفة، وبيعة الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁ وهي أمور من النتائج المباشرة لوفاة الرسول ﷺ.
ثانيا: إن كتاب ابن إسحاق الأصلي الذي اختصره ابن هشام كان يحتوي على أخبار ما كان يرضى عنها العباسيون؛ بل كانوا يستاؤون منها، مثل مشاركة جدهم العباس بن عبد المطلب في معركة بدر في صفوف المشركين ضد النبي ﷺ ووقوعه في الأسر، وفداؤه نفسه بقدر كبير من المال، ورغم ما روي من أن الرسول ﷺ قال عن العباس: إنه خرج مكرها، بل نهى عن قتله- إلا أن العباسيين كانوا يستاؤون جدّا من تلك القصة- التي ذكرها ابن إسحاق في كتابه الأصلي- ونحن عرفنا ذلك من رواية العلماء الذين أخذوا عن الأصل، مثل الطبري- ولذلك حذفها ابن هشام عند تلخيصه لسيرة ابن إسحاق إرضاء للعباسيين، وتحاشى ذكرها في كتاباته كل من محمد بن عمر الواقدي، وكاتبه محمد بن سعد لنفس السبب وهو كراهية العباسيين لذكرها.
لذلك لو كان ابن إسحاق قد ألف كتابه بأمر أبي جعفر المنصور لكان من المستبعد أن يذكر هذه القصة، وهو يعلم أن الخليفة يستاء من ذكرها. لذلك نرجح أن أصول الكتاب وضعت في المدينة.
[ ٤٣ ]
في مقتطفات ليست في نص ابن هشام، وصلنا إلى الصورة التالية لمنهج ابن إسحاق: