سبق الحديث عن مكانة ابن إسحاق العلمية وإمامته في علم المغازي والسير ولا يكاد يوجد خلاف- بل هناك إجماع- على أنه إمام ورائد في ذلك الفن، وكتابه في سيرة الرسول ﷺ عمدة في ذلك العلم الجليل، وعليه اعتمد ومنه أخذ ونهل كل من كتب بعده في سيرة الرسول ومغازيه، وإليك آراء العلماء في مكانة ابن إسحاق، ودرجة الثقة به في الحديث الشريف عن رجال الجرح والتعديل.
فمن المعلوم أن العلماء- خاصة رجال الجرح والتعديل أو من يسمّون بعلماء الرجال- يتشددون للغاية في الحكم على الرجال الذين يأخذون عنهم الحديث، أكثر من تشددهم في الحكم على رجال المغازي والسير ورواة التاريخ والأخبار؛ وذلك لأن الحديث الشريف هو المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية- بعد القرآن الكريم- وينبني عليه معرفة الحلال والحرام، وأحكام العبادات والمعاملات.
لذلك وضع علماء الجرح والتعديل شروطا قاسية لرجال السند- سند الحديث- وهم سلسلة الرواة، وليس هنا مكان تفصيل ذلك.
ورغم كل ذلك فإن معظم علماء الحديث يكادون يجمعون على توثيق حديث ابن إسحاق، فقد سئل يحيى بن معين- وهو من هو في علم الرجال- فقال:
«كان ثقة حسن الحديث» «١» . وقال شعبة بن الحجاج: «محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث»، وقال: «لو سوّد أحد في الحديث لسوّد ابن إسحاق» «٢» .
_________________
(١) راجع في كل ذلك: تاريخ بغداد (١/ ٢١٨، ٢٢٩) .
(٢) راجع في كل ذلك: تاريخ بغداد (١/ ٢١٨، ٢٢٩) .
[ ٣٩ ]
مشاهدة مواقع الغزوات بنفسه ويتفقد الميادين التي شهدت جهاد الرسول ﷺ وأصحابه.
بل إن الاهتمام بمغازي رسول الله ﷺ لم يبق مقصورا على مؤلفات علماء المغازي والسير؛ فعلماء الحديث من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرهم قد ضمّنوا كتبهم أبوابا عن مغازي رسول الله ﷺ؛ لهذا- ربما- اكتفى محمد بن سعد بأن سمى كتاب ابن إسحاق: كتاب «المغازي» . ثم أخذت فكرة الكتابة في هذا المجال تنمو وتتطور حتى شملت حياة الرسول كلها والتأريخ للدعوة والدولة الإسلامية في عهده ﷺ وهذا ما يفهمه الناس الآن إذا تحدثوا عن السيرة النبوية.