امتاز فن النحت في عهد خفرع بأثر كبير آخر، طغت شهرته على شهرة هرمه ومعبديه، وهو أبو الهول. ولأبي الهول جسم أسد رابض ورأس إنسان ناهض كما هو معروف، جمع الفنان بينهما في انسجام عجيب لا يكاد الرائي يشعر معه أنه أمام كائن مفتعل غريب. ونحت الفنان الرأس فيما يرجح حتى الآن على هيئة رأس فرعونه خفرع تزينه شارات الملك، وهي عصابة رأس مخططه عريضة تصنع من قماش مقوى لتغطي الرأس ومؤخرته، وحية حارسة تنهض على الجبين، ولحية دقيقة طويلة مستعارة ترمز إلى إلتحاء أوائل الملوك الأقدمين "وقد سقطت الحية واللحية من موضعيهما لتطرفهما". وعبر الفنان في تمثاله عن رأي أهل عصره في مثالية فراعنتهم، أو على الأقل عن رأي أهل الحاشية في مثالية فراعنتهم، وهي مثالية جمعوا إليهم فيها سمو التفكير البشري وبأس الأسد، واستمروا يرددونها لهم طوال عصورهم القديمة، على نحو ما استمروا يلقبونهم بالأسود والفحول.
ينهض تمثال أبو الهول فوق قاعدة مرتفعة نحت معها في الصخر الطبيعي للهضبة، ولكنها كسيت بأحجار جيرية ملساء، وبلغ ارتفاعه معها نحو اثنين وعشرين مترًا. وقام في مواجهته معبد كبير، لا زالت الآراء مختلفة في تحديد أغراضه، ومن هذه الآراء رأي يعتقد أصحابه أنه أعد لتقديم القرابين والدعوات باسم صاحب التمثال نصفه، وأن التمثال بعد أن كان يرمز إلى خفرع أصبح في نفس عهده أو بعده بقليل، يعتبر حارسًا لمدينة الموتى في منطقته أي منطقة الجيزة ويستحق التمجيد والتقديس تبعًا لذلك. وقرنًا فقرنًا نسي المصريون أصل تمثال أبو الهول٢ أكثر فأكثر، واعتبره أهل الدولة الحديثة صورة من صور إله الشمس، وظلوا يتعبدونه على هذا الاعتبار، وأقاموا النصب باسمه بين يديه وفي معبده، واستوى في ذلك الفراعنة ورعاياهم وأضاف شبيجل رأيًا عن تمثال أبو الهول، مؤداه أنه رمز منذ بدايته إلى "ماعت" بمعنى العدالة المستقرة أو النظام المستقر، وذلك في مقابل دلالة الهرم على النظام الهرمي الدنيوي الذي كان الفرعون يحتل أرفع مكانة فيه.
أما عن اسمه فمن الآراء في تعليله أنه سكن منطقة الجيزة قوم من الكنعانيين خلال الدولة الحديثة، فتعبدوا التمثال باعتباره صورة أصلية من معبود كنعاني قدسوه في وطنهم باسم "حورون"، وأطلقوا اسمه على
_________________
(١) ١ آثرنا في حديثنا أن نعتبر اسم "أبو الهول" اسمًا مبنيًّا، حيث لا أبوة فيه ولا بنوة. ٢ وعن آراء أخرى عنه وعن معبده، راجع: Holscher، Op، Cit، ٧٠; Perie، The Pyranids And Temples Of Gizeh، ١٠١.
[ ١٢٠ ]
التمثال١. ولعل المصريين قد أجازوا ما أتى الكنعانيون به، ثم حرف الاسم الكنعاني إلى حورنا، وأخيرًا إلى "حول". ورأى أخر قرب بين اسم التمثال وبين أسم ورد له في النصوص المصرية المتأخرة بمعنى الأسد "با حو"٢. وانتهت أسماء التمثال إلى اسمه الحالي أبو الهول، وهو اسم يعبر في اللغة العربية عن طابع الرهبة أو طابع الهول الذي اكتسى التمثال به وظنه الناس فيه، ولكنه لا يخلو في الوقت نفسه من صلة تربطه بأحد الأسماء القديمة "جو أو حورون أو حول" بعد إحلال الهاء محل الحاء؛ وبعد إضافة كلمة أبو وهي كلمة تطورت فيما يبدو عن أحد لفظين مصريين قديمين، لفظ "بو" بمعنى مكان، أو أداة التعريف المذكرة المفردة "با".
وظل تمثال أبو الهول طوال عصوره مثارًا للإعجاب حينًا، ومثارًا للرهبة حينًا آخر، وظن فيه مؤرخو العصور الوسطى قدرة سحرية، وسموه بأسماء غربية، فذكره المقريزي باسم بالهيب، وحكى أن شيخًا يدعى صايم الدهر أراد أن يمسخ وجهه باعتباره أثرًا من آثار الوثنية الأولى، فهبت على زروع الجيزة ريح عاتية أتلفتها، فظن صايم الدهر أنها كرامة من صاحب التمثال واضطر إلى العدول عن محاولته.
وظهر من المؤرخين المسلمين من تجاوز هذا التصوير الساذج لأبو الهول، ومنهم عبد اللطيف البغدادي في القرن الثالث عشر الميلادي حيث قال عنه: " وسألني بعض الفضلاء ما أعجب ما رأيت، فقلت تناسب وجه أبو الهول، فإن أعضاء وجهه كالأنف والعين والأذن متناسبة كما تصنع الطبيعة الصورة متناسبة، والعجب من مصوره كيف قدر أن يحفظ نظام التناسب في الأعضاء مع عظمها وأنه ليس في أعمال الطبيعة ما يحاكيه ".
_________________
(١) ١ See Posener، Jnes، IV "١٩٤٥"، ٢٤٠ F. ٢ Wb.، III، ٤٥.
[ ١٢١ ]