ليس من شك في أن المنازعات بين البيت الأهناسي والبيت الطيبي لم تكن في مصلحة البلاد دائمًا بعد أن أصبح بأس أهلها شديدًا بينهم، ولكن نتائجها تعنينا على الرغم من ذلك من ثلاث وجهات، وهي:
[ ١٥٢ ]
أولًا- أنها زكت الروح الحربية وروح النضال المنظم في حياة خاصة المصريين وعامتهم، على الرغم من أنها كانت على حساب بعضهم بعضًا، فأصبح الرجل منهم يفخر في نصوص مقبرته بأنه رب للسيف، وأنه جريء يوم الصدام، وأنه كان شديدًا بقوسه جريئًا بسيفه عظيم الهيبة بين جيرانه. ويرى أن ذلك يزكي سمعته وسمعة أسرته إلى أبد الآبدين. وتلك روح وثابة أضيفت إلى روح العصامية التي تمخضت عنها الثورة الطبقية في نهاية الدولة القديمة.
ثانيًا- أنها زادت من شعور الملوك الطيبيين والأهناسيين، بحاجتهم إلى رعاياهم والتماس تأييدهم، وزادت ما بينهم وبينهم قربًا. وعبر خيتي عن هذا الإحساس وهو يوصي ولده ويزوده بخلاصة تجاربه في الحكم والسياسة، فأوصاه بمبدإ يعتبر من أنبل المبادئ التي تمخضت عنها الثورة الاجتماعية في نهاية الدولة القديمة واحتفظ بها الانتقال، وحضه فيه على أن يقدر الفردية لذاتها قائلًا له: "لا تفرق بين ابن النبيل وابن فقير الأصل، وتخير الفرد بكفايته". وأوصاه بأن يلتزم القدوة الطيبة قائلًا له: "قل الحق في قصرك يخشاك عظماء الأرض، فاستقامة الخلق أليق بالحاكم". ثم أوصاه بالعدالة، وقال له: "إلزم العدل تخلد على الأرض، واحذر أن تعاقب خطأ، فالقتل لن يفيدك، ولكن عاقب بالضرب والحبس، وبذلك تزدهر "أحوال" البلاد، فيما عدا المتآمر، فالإله يقدر خبثه ويطلب دمه جزاء جرمه".
وأراد أن يبين له أن الناس سواسية أمام خالقهم، وأن على الملكية واجبات توازي حقوقها، وأن كل راعٍ مسئول عن رعيته، فقال له: "البشر رعايا الإله، خلق السماء والأرض بما يشتهون، وأجرى المياه دافقة، "من أجلهم". وأرسل لهم النسمات كي يحيوا بها. هم أشباه له، صدروا عن بدنه، وهو يتجلى في السماء ليلبي ما يرغبون فيه. ويخلق العشب والأنعام والطير والأسماك حتى يقتاتوا بها. ويبشر بالفجر لنفعهم، ويعبر السماء ليراهم، وإذا بكوا سمع ولباهم. وهو الذي تعهد الحكام منذ الصغر من أجلهم ورفعهم "درجات" ليكونوا سندًا لظهور ضعفائهم"١. وما نظن أن شعبًا آخر بلغ هذا المبلغ في تكريم الإنسان والاعتراف بحقوق المحكومين في مثل ذلك العصر البعيد الذي سبق عصرنا بأكثر من أربعة آلاف عام.
ثالثًا- أنها كانت من عوامل تشجيع المصريين على إعلان عقائدهم الخاصة وآرائهم في مذهب أسلافهم، بالنقد تارة، والمدح تارة، ورغبة التعديل تارة أخرى. فقد ترتب على اهتزاز الأوضاع القديمة في سبيل البحث عن وضع جديد، كما ترتب على اعتداء بعض الثوار في أواخر الدولة القديمة على الأهرام والمقابر وتخريبهم لها ونهبهم محتوياتها وتعطيلهم شعائرها، بل وجرأتهم على معابد أربابهم أحيانًا٢، أن ظهرت بين المصريين أربعة اتجاهات عقائدية متمايزة: اتجاه متشكك متطرف شك أصحابه في مقومات الخلود التي آمن أسلافهم بها وشادوا الأهرام والمقابر من أجلها، ورتبوا الشعائر والقرابين لصالحها، بل وشكوا في عقيدة الخلود نفسها، واتجاه متطرف آخر يقابله أخذ به المتزمتون الذين برموا بأصحاب الاتجاه الأول ورموهم
_________________
(١) ١ Op. Cit.،٤٧.F. ٢ Lbid.، ١٣٠ F.
[ ١٥٣ ]
بالكفر، وغلب التشاؤم على نظرتهم إلى الحياة الدنيا وأحوالها، ثم اتجاه ثالث محافظ أصر أصحابه على عقائد أسلافهم في الخلود ومقوماته وقرابينه ودعواته وإن لم يأبوا أن يضيفوا إليه جديدًا يزكيه. وأخيرًا اتجاه رابع متطور آمن أصحابه بأن الخلود حق لا شك فيه ولكنهم آمنوا في الوقت نفسه بأن سعادة الفرد في أخراه ليس من الضروري أن ترتبط ببناء المقابر الفخمة أو مواصلة تقديم القرابين وترتيل الدعوات وإقامة الطقوس التقليدية، بقدر ما ترتبط بصلاح أعمال الإنسان في دنياه وإيمانه بعدل أربابه في أخراه مع أدائه واجباته إزاءهم في الوقت نفسه.
وبدأ تيار التشكيك منذ أيام الثورة الطبقية، وعرب عنه إيبوور حينذاك بقوله: "يقول المنفعل: لو علمت أين الرب لعملت له"١. ثم استمرت موجة الشك في طريقها، وخلف بعض المتشككين والناطقين بلسانهم مواويل سائرة كانوا يرددونها في تنغيم، ويدعون المترفين فيها إلى التمتع بمباهج الحياة الدنيا ما وسعهم إلى ذلك من سبيل، دون قلق على الآخرة وما يصيبهم فيها. ويمكن ترجمة بعض فقرات هذه المواويل بأسلوب عادي يتفق مع أسلوب أصحاب الموال المعاصر، مع تصرف يسير٢. فقد ردد أحد رواتها مواله على أنغام الجنك في حفل أقيم لذكرى أمير عزيز، قائلًا بعد أن مدح صاحب الذكرى " أجساد تروح وأجساد جاية من زمن الأوائل. ياما سمعنا الكثير من كلام الحكما أمثال إيمحوتب وددف حور. لكن فين الحكما، وفين ديارهم؟ انهدت جدرانهم وطاحت مساكنهم، وما عاد منها كيان، راحوا وما عاد منهم حد، راحوا وما حكى لنا عن حالهم حد، ولا حكى لنا عن مطالبهم حد، ولا طمنا عليهم حد. افرح، وخل قلبك ينسى يوم نعيك، وارض نفسك طول العمر، ادهن رأسك والبس الكتان وتعطر، تمتع بيوم الهنا ولا تمله، ما حد راح وخد معاه حاجة، وما حد راح وعاد تاني. اللي مات قلبه ما سمع صراخ حد، والنعي ما خلص من الآخرة حد"٣.
وبدأت الموجة المناقضة للأولى، أي موجة التزمت والتشاؤم واليأس من الدنيا، منذ أيام الثورة أيضًا، وعبر إيبوور عن ظهورها بانتحار بعض الناس غرقًا، وسخط الأطفال على ولادتهم، ورغبة الجميع في فناء العالم كله حتى تستريح الأرض من الضجيج على حد قوله. واستمرت هذه الموجة في طريقها، وعبر عنها بعد ذلك حوار سجله أديب مصري على بردية بين رجل سئم عيوب الحياة في عصره، وبين روحه، جاعلًا الروح تتحدث في هذا الحوار كأنها شخص مستقل. وبدأت المناقشة بين الرجل وروحه
_________________
(١) ١ Pap. Leiden، ٣٤٤، V، ٣. ٢ Pap. Harris ٥٠٠، Vi، ٢-Vii، ٣ And Variants، See، M. Lichtheim، Jnes، Iv "١٩٤٥"، ١٧٨ F.، ١٩٢، F.، ٢١١ F. ٣ A. Erman، Gesprach Eins Lebensmiden Mit Seiner Seele، ١٨٩٦ ; A. Scharff، Der Bericht Uber Das Streitgesprach Eines Lebensmuden Mit Seiner، Munchen، ١٩٣٧ ; R.O. Faulkener، Jea، ١٩٥٦، ٢١ F. عبد العزيز صالح: "الحوار في الأدب المصري القديم" – المجلة، العدد التاسع – سبتمبر ١٩٥٢، ص١٦ - ٢٨.
[ ١٥٤ ]
بأن أعلن لها ضيقه بمساوئ عصره، بينما أعلنت هي رضاها بدنياها ونصحته بأن يترك ما بعد الموت لما بعد الموت "وكأنها تناصر الاتجاه الأول الذي صورناه". ولما احتدم الجدل بينهما تحدته أن يحرق نفسه وينتحر إذا كان جادًّا في ضيقه بالحياة، ولكنه تردد وظل كل منهما يحاور الآخر ويداوره، حتى اضطر إلى أن يهادنها قليلًا، وهنا قصت عليه مثلين من مصائب الناس في فقد أولادهم وفقد ثرواتهم، لعلها تخفف عنه بلواه. كما قص هو عليها ما دعاه إلى الضيق بالحياة، ويبدو أنه كان قد تكفل بدعوة بين الناس ولكنه لم يجد بينهم سمعيًا ولا مجيبًا، بقدر ما وجد منهم من أساءوا إليه وشوهوا سمعته، ثم قص شكواه في ثلاث قصائد، بدأ كل قصيدة منها ببدايات متشابهة، وأخيرًا عاوده اطمئنانه فراح يؤكد لها في قصيدة رابعة إيمانه بالحياة بعد الموت وإيمانه بالثواب فيها وحسن المآب وعدل الأرباب، مما سنعود إلى تفصيله في حديث الأدب.
واستمر أصحاب الاتجاه الثالث المحافظ على عقائد أسلافهم، وكانوا أكثر عددًا ممن سواهم، وقد اعتبروا حوادث التخريب والشك حوادث عارضة، فظلوا يعنون بمقابرهم وموتاهم وقرابينهم، وسجلوا على توابيتهم دعوات كثيرة اقتبسوا بعضها من دعوات كهان الدولة القديمة، واقتبسوا بعضها من متون الأهرام، ثم ألفوا بعضها الآخر بما يناسب عصرهم ويناسب الأماني التي أصبحوا يرجونها لأنفسهم ولأهلهم في دار الآخرة. وتعرف هذه الدعوات اصطلاحًا باسم "متون التوابيت". ولعل أهم تجديداتها هو تلقيب كل متوفى بلقب أوزير؛ أملًا في أن ينعم في عالم الآخرة بما نعم به ربه أوزير، وأن يخلد فيها مثل خلوده. وكان في هذا التجديد تطور ضخم المدلول، فقد كان التلقب بلقب أوزير قاصرًا في الدولة القديمة على الفرعون المتوفى وامتيازًا دينيًّا له وحده، فلما زلزلت أركان الملكية في أواخر الدولة القديمة واقتسم سلطانها كبار حكام الأقاليم، تجرأ هؤلاء الحكام على اقتسام امتيازاتها الدينية أيضًا، فأصبحوا يرجون لأنفسهم في الآخرة ما كان الفراعنة يرجونه لأنفسهم، وتلقبوا مثلهم بلقب أوزير، وقلدهم في ذلك كبار الموظفين وكبار الكهان، ثم أصبح المصير الأوزيري شيئًا فشيئًا أملًا مشاعًا لكل إنسان.
وبشر هذا الاتجاه الأخير بالاتجاه الرابع المتطور وقد عبر عنه خيتي فرعون أهناسيا بنفسه قائلًا لولده وهو ينصحه بمذهبه في الدين وتقديم القرابين: "أصلح مكانك في العالم الآخر بالاستقامة وأداء العدالة فإن قلوب "الأرباب" ترتاح إليهما. وإن طباع رجل قويم السريرة أكثر قبولًا عند الرب من فحل "يقدمه إليه" رجل اعتاد الشرور واعمل لربك يعمل لك بالمثل" "اذكروا الله يذكركم". ثم نصحه بمذهبه في البعث والحساب، قائلًا له: "لا تثق في امتداد السنين، فإن "قضاة الآخرة" يرون العمر كأنه ساعة، واذكر أن الإنسان يبعث ثانية بعد وفاته وتوضع أعماله على هيئة الكوم بجانبه. وأن الحياة هناك معناها الخلود. وأن الغبي هو من يستخف بها، وأن من بلغها دون أن يرتكب إثمًا سوف يعتبر فيها كأنه معبود ويسير "فيها" كأرباب الخلود١. وكان من الطبيعي أن يظل هذا الاتجاه الرابع الواعي هو
_________________
(١) ١ Pap. Petersburg، ١١١٦ A، Rt.، ١٢٨ F.، ٥٣ F.
[ ١٥٥ ]
اتجاه القلة المستنيرة من المصريين دون كثرة المتشككين والمتزمتين والمحافظين. وعلى أية حال فثمة حقيقة واضحة يمكن أن تستنتج من كثرة هذه الاتجاهات، وهي دلالتها على مرونة العقائد المصرية القديمة وعدم التزامها صفة الجمود التي اعتادت أغلب المؤلفات الحديثة على أن تلصقها بها.
أسهبنا في الاستشهاد ببعض المثل العليا التي تضمنتها تعاليم خيتي في العصر الأهناسي، أو على الأصح بعض المثل العليا التي كان المصلحون ينادون بها في عهده. غير أنه لم يكن من المتوقع أن تطبق أمثالها في الحياة العامة بحذافيرها أو يلتزم الحكام بها التزامًا تامًّا فيما بينهم وبين المحكومين، وإنما كان شأنها شأن المثل العليا في كل مجتمع وزمان، بل وشأن المثل العليا في كل الأديان، ينادي المصلحون بها ثم يتفاوت الناس في مقدار تطبيقهم لها. وقد صورت هذه الأوضاع بشقيها، أي المثل العليا ومدى تطبيق الحكام لها، قصة تسمى اصطلاحًا باسم قصة "القروي الفصيح" ألفها أديب في العصر الأهناسي أو فيما بعده بقليل؛ ليصور بها ما هو كائن فعلًا في عصره من أوضاع الحكم والإدارة، ويعقب عليها بما يرجو المصلحون أن يسود عصره من أوضاع مستحبة بين الحكام والمحكومين، مما سوف نعرضه في تفصيل في حديث الأدب.
[ ١٥٦ ]