شهد الشرق الأدنى القديم طفرته الحضارية المنتجة حقًّا منذ أوائل الألف السادس قبل ميلاد المسيح، وتلك هي طفرة الاهتداء إلى بداية حرفة الزراعة قبل معرفة المناطق الأوروبية بها بنحو ألفي عام. وكان من منطق التطور أن تنشأ أولى خطواتها وتنضج في وديان الأنهار الكبيرة أو بقربها. وقد اشتركت بلاد الهلال الخصيب في معرفتها بممهدات الزراعة الأولية. ومن ذلك معرفة المصريين وأهل العراق والشام منذ أواخر الدهر الحجري القديم الأعلى بانتقاء أنواع الحبوب الغذائية المفيدة كالشعير البري والحنطة البرية وبطرق جرشها والانتفاع بها، بدليل العثور على بعض مناجل الحصاد ومراحي جرش الحبوب في منطقة عيون حلوان وحوض كوم أمبو في مصر، وفي مغارة الناطوف وما حولها في فلسطين١. وربما تولدت عندها حينذاك
_________________
(١) ١ Ed. Vignard، Bifao، Xx، ٢٤; Huzayyin، The Place Of Egypt In Prehistory، ٢٥٧f.; H. Farnkfort، The Natufian Of Palestine” T.R.A. I، Lxii، ٢٥٧f.; H. Farnkfort، The Birth Of Civilization In The Near East، ١٩٥١.
[ ٢٥ ]
معرفة فطرية بظواهر الإنبات الطبيعية عن طريق ما كانوا يشهدونه من خروج النبت من الحبوب البرية والبذور التي تلقيها الرياح والمصادفات أمام أعينهم فوق سطح الأرض اللينة، أو التي تسقط منهم وهم في طريقهم إلى حيث يقيمون، كلما أصابها البلل والمطر. ولم تكن مهمة جمع الحبوب الغذائية البرية يسيرة دائمًا لتفرق عيدانها في الطبيعة على مساحات واسعة، ولتقدم الجفاف شيئًا فشيئًا خلال الدهر الحجري القديم الأعلى وما كان يستتبعه من شح نمو النباتات الطبيعية تدريجيًّا أيضًا، وذلك مما كان من شأنه أن يولد الرغبة لديهم في محاولة الاهتداء إلى وسيلة يضمنون بها تواجد هذه الحبوب المفيدة في مساحات متصلة قرب أماكن إقامتهم بقدر الإمكان.
ووجدت مصر ميلًا كبيرًا من أغلب الباحثين لافتراض تحقيق هذه الرغبة ومعرفة الزراعة لأول مرة على أرضها. وذلك على أساس أن اشتداد الجفاف على هضابها الشرقية والغربية في أواخر الدهر القديم الأعلى كان من شأنه أن يدفع أهلها إلى أن يتتبعوا انتشار النباتات والحبوب الطبيعية على ضفاف مورد الماء الدائم في أرضهم، وهو نهر النيل، فاقتربت جماعاتهم من مدرجاته في دفعات متتالية وشجعتهم أحوالها الآمنة على الاستقرار عليها، ولما طالت إقامتهم في أرجائها ابتغاء الانتفاع بنباتاتها الطبيعية وأسماك الماء والحيوانات التي تقصد ضفاف النهر وفروعه التماسا للشرب، أصبحت ملاحظاتهم لنمو بذور النباتات الطبيعية في أرضها الخصبة مستقرة مضطردة، نتيجة لما كانوا يشهدونه من أثر التعاقب السنوي المنتظم لفيضان النيل وانسياب مائه عليها ثم انحساره، في النمو التلقائي السنوي الجديد للنباتات والحبوب كلما توفرت لها الأرض الطميية السوداء على وجه الخصوص. ولما استرعت هذه الظواهر الطبيعية أنظار المصريين جيلًا بعد جيل واستوعبوها، وأدركوا بها العلة في نمو النباتات في أعقاب الفيضانات مع انتشار البذور في الأرض الخصبة، كما أدركوا معها العلة في ذواء النباتات وجفافها حين قلة الماء وجفافه وصلابة التربة، حاولوا أن يستفيدوا مما استخلصوه فائدة إيجابية، وبمعنى آخر حاولوا أن يباشروا عملية النمو الطبيعية للنباتات والحبوب الغذائية بأنفسهم، وأن يصبحوا منتجين لغذائهم متحكمين فيه بأنفسهم وسواء طالت محاولاتهم هذه أم قصرت، فقد انتهت باهتدائهم إلى أساليب الزراعة البسيطة منذ أكثر من سبعة آلاف عام أو ثمانية آلاف، وقبل غيرهم من أهل العالم القديم المسكون١، أو قبل أغلب أهل العالم القديم المسكون إن نظرنا بعين الاعتبار إلى ما يراه أنصار حضارات وديان الأنهار الكبرى الأخرى مثل أنصار حضارة بلاد النهرين، وأنصار حضارة سوريا وفلسطين وأنصار حضارة إيران، بل والباحثين في حضارات جنوب شرق آسيا، من أن كلا منها قد عرفت الزراعة في عصر قريب من العصر الذي اهتدت مصر فيه إلى معرفة الزراعة٢.
_________________
(١) ١ See Also، S. Huzayyin، Op. Cit.، ٢٣١. تاريخ الحضارة المصرية – القاهرة ١٩٦٢ – المجلد الأول – ص١٥ - ١٦. عبد العزيز صالح: حضارة مصر القديمة وآثارها – القاهرة ١٩٦٢ – ص٨١ - ٨٦. ٢ See، Peake، The Origins Of Agriculture، ١٩٢٨; The Beginning Of Agriculture، ١٩٣١; R.J. Baidwood، “The World’s First Farming Villagea”، Lllustrated London News، April، ٢٨، ١٩٥٦، ٤١٠f.; Etc.
[ ٢٦ ]
وترتبت على بدايات معرفة الزراعة في الشرق الأدنى نتائج اجتماعية وعمرانية واقتصادية متعددة كانت أساسًا لبعض ما تلاها من مظاهر الحضارات التاريخية:
فقد ترتب على الاشتغال بالزراعة زيادة التماسك الأسري بين الأفراد نتيجة لإمكان انتفاع رب كل أسرة بمجهودات أولاده وبناته وزوجاته في عمليات الزراعة، ثم زيادة الاستقرار السكني بين الزارعين نتيجة لحرصهم على الإقامة بجوار مزروعاتهم لرعايتها وحمايتها ثم للانتفاع بها، وزيادة الاستقرار المعيشي بينهم نتيجة لإمكان تحكم الإنسان في محصول أرضه بقدر ما يبذله فيها من الجهد، وزيادة تعوده على الادخار للاستعانة بمحصوله المدخر على المعيشة في غير فصول الإنبات وفي مواسم الجفاف. مع زيادة التعاون بين الأقارب في استصلاح المزيد من الأرض واستغلالها. وازدياد الميل إلى التجمع بين الجيران في سبيل حماية المناطق المزروعة ودرء أخطار الفيضانات عنها. ثم التماس الفرد للأمن وسط الجماعة وفي حماية المجموع، مع زيادة إحساسه بفرديته وشخصيته نتيجة لما أصبح يمتلكه من الأرض الزراعية وما يستغله عليها من الحيوانات الأليفة، وإن وضحت الفوارق الاقتصادية في الوقت نفسه مع حياة الزراعة بين المالك وبين الأجير وبين الغني وبين الفقير.
[ ٢٧ ]