تشعبت آراء المؤرخين عن أصحاب الحضارة النقادية الثانية وعن موطنهم الأصلي وعن الطريقة التي فرضوا بها حضارتهم على أصحاب الحضارة الأولى. ولن نطيل هنا في عرض هذه الآراء ومناقشتها وإنما يكفي أن نقول إنها اتجهت اتجاهين رئيسيين: اتجاهًا افترض أن أصحابها وفدوا على وادي النيل من منطقة قريبة منه مثل جبال البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء وشمال الحجاز١. واتجاهًا آخر افترض أن أصحابها كانوا من أهل الوجه البحري أي من أهل مصر نفسها٢. وقد أيدنا هذا الاتجاه الأخير في الجزء الأول من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها، بأدلة من نماذج الرسوم وأشكال الأواني الحجرية والفخارية وصور المراكب ورموزها وطرز مقاطع القتال وغيرها٣، ويؤدي بنا هذا الرأي إلى حديث قصير عن الوجه البحري وظروفه القديمة.
فقد ظلت مناطق الوجه البحري أقل حظًّا من مناطق الوجه القبلي فيما بقي من آثارها الحضارية القديمة، يستوي في ذلك حظها من آثار فجر التاريخ وحظها من آثار العصور التاريخية نفسها. وترجع أسباب هذه
_________________
(١) ١ See For Exaples، W. F. Petrie، Prehistric Egypt، ١٦ F.; The Marking Of Egypt، ٤٧: R. Weill، Recherches Sur La Ler Dynastie Et Les Temps Prepharaoiques، Le Caire، ١٩٦١، Ii ٢٧٩ F. ٢ See For Exaple، P. Newberry، In Liverpool Ann. Of Arch. And Anthrop.، V، ٢٣٢; "Egypt As A Filed Ofr Anthropological Research"، ٤٤٦; Ancient Egypt، ١٩١٤، ٧-٨; Foucart، Sphinx، Xviii، ٥١ F.; Loret، Rev.؟g.، Xi، ٧٥f.: A. Moiet، Des Clans Aux Empires، ١٤٢. ٣ عبد العزيز صالح: حضارة مصر القديمة وآثارها – الجزء الأول – القاهرة ١٩٦٢، ص١٦٣ - ١٦٨.
[ ٥٦ ]
القلة إلى الظروف الطبيعية والبيئية التي أحاطت بالدلتا القديمة، من حيث انخفاض أرضها، وكثرة فروعها المائية، وشدة طغيان الفيضانات عليها، وكثرة ترسيب الطمي فيها، وانتشار المناقع في مناطقها الشمالية، وما ترتب على ذلك كله من ارتفاع نسبة الرطوبة في تربتها وسرعة تحلل الآثار فيها.
ولكن ظروف الدلتا القديمة كان ذات شقين ولم تكن شرًّا كلها، فليس من المستبعد أن كثرة تعرض أراضيها لأخطار الفيضان كانت حافزًا لأهلها على مداومة الكفاح والأخذ بأسباب التعاون والتقارب لدرء هذه الأخطار عن أراضي الزراعة وأراضي المساكن. وليس من المستبعد كذلك أن طمع بدو الصحراوين الشرقية والغربية في خصوبة الدلتا كان دافعًا آخر لأهلها على التعاون لدرء شرهم، وحافزًا لهم على التجمع في وحدات سياسية مبكرة متكاتفة. ويبدو أن قلة المواد الأولية في الدلتا كانت دافعًا ثالثًا شجع أهلها على التعاون لتيسير الحصول عليها من مصادرها، مثل الظران من جنوب الدلتا، والنحاس من شبه جزيرة سيناء والأحجار الملونة من جبال البحر الأحمر، والأصداف من سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط١. وأضاف بعض الباحثين عوامل أخرى نسوقها على شك فيها، ومنها أن اتساع رقعة أراضي الدلتا وانفساحها أديا إلى نوع من رحابة أفق التفكير عند أهلها، بعكس أراضي الصعيد الزراعية الضيقة التي تحدها التلال والجبال. وأن سهولة اتصال الدلتا ببقية حوض البحر المتوسط كانت من دوافع تقدمها على عكس الصعيد قليل الاتصالات٢، "وإن كنا نعلم من جهة أخرى أن حضارات الدلتا والصعيد ظلت في مجموعها أكثر رقيًّا من حضارات البحر المتوسط كله خلال فجر التاريخ، وذلك ما يعني ضعف احتمال استفادة الدلتا منها".
وإلى جانب منطقة مرمدة بني سلامة التي نشأت على الحافة الجنوبية الغربية للدلتا في أوائل العصر الحجري الحديث، أدى البحث الأثري إلى الكشف عن مناطق عمران أخرى عند رأس الدلتا القديمة، في عين شمس والمعادي وطرة، وكانت ثلاثتها نقطًا متصلة في سلسلة من مناطق العمران لا تزال أغلب آثارها دفينة في الأرض حتى الآن، وكانت المعادي أهمها٣.
ومضت كل من الحضارتين الصعيدية والبحيرية في سبيلها، وتطورت كل منهما بما يناسب بيئتها وثراء أرضها، ومدى الاتصال والترابط بين أقاليمها، ومدى توافر المواد الأولية فيها أو قرب أرضها، حتى انتظمت الأحوال السياسية لأهل الحضارة الشمالية وتجمعت سلطاتها أو سلطات أكبر أقاليمها في يد ملك
_________________
(١) ١ انظر عن آراء أخرى تعارض هذه الاحتمالات: Basmgartel، Op. Cit.، ٣ F.، ٨، ١٨; H. Kees، Das Alte Agypten، ١١، Etc ٢ ت. إريك بيت: في تاريخ العالم "نشرة هامرتون" – معرب بالقاهرة، ص٥١٠، دريوتون وفاندييه: مصر – معرب بالقاهرة – ص٤٧ - ٤٨. ٣ راجع عن المعادي: O. Menghin & M. Amer، The Excacations Of The Egyption Unversity In The Neolithic Site At Maadi، Vols. I-Iii. مصطفى عامر: بعض نتائج الحفر في المواسم الخمسة الأولى بالمعادي – ١٩٣٦ وانظر ما كتبناه عنها في مرجعنا السابق – ص١٥١ - ١٥٦.
[ ٥٧ ]
وتتوج بتاج أحمر ذي شكل خاص، وصور صناع مملكته تاجه على بعض أوانيهم الفخارية، ووصلت هذه الأواني إلى بعض مناطق الصعيد. ثم ازداد التفوق الحضاري والسياسي لأهل المملكة الشمالية، وشجعهم هذا التفوق على مد نفوذهم إلى الصعيد، وسنحت لهم الفرصة في ظروف نقدم احتمالاتها بعد قليل، فبسطوا نفوذهم على أهله وسودوا حضارتهم على حضارته، واتخذوا عاصمته نوبت مركزًا رئيسيًّا لنفوذهم الحضاري السياسي، وعندما استقرت أمورهم اشتركوا مع الصعايدة أصحاب الحضارة النقادية الأولى في تطوير حضارتيهما وشاركوهم بعض ميراثهم القديم وإن اختلفوا عنهم في بعض آخر.
[ ٥٨ ]