عرف أهل الشرق الأدنى، وأهل مصر وبلاد النهرين بخاصة، مع الزراعة نوعا من ضمان الرزق لم يعرفه أسلافهم من قبل. واتسعت مطالبهم الفردية والجماعية بعض الشيء. وبدأ تعدد الحرف بينهم في الوضوح. فظهرت لديهم إلى جانب حرف الزراعة والصيد واستئناس الحيوان ورعيه وصناعة الأدوات الحجرية، حرف الصناعة أدوات الزراعة من فئوس ومناجل، وأخرى لتضفير الحبال وعمل الزنابيل والسلال "من الخوص ونباتات الحلفا وألياف البردي" لخزن الحبوب وعمل الحصير، ونسج الكتان، وحرف غيرها لصناعة أواني الفخار والقليل من الأواني الحجرية١.
ولم يكن الإنسان ليستطيع أن يهتدي إلى صناعة من هذه الصناعات بسهولة وفي وقت قصير، وإنما لعبت عوامل المصادفة والملاحظة والصبر ثم رغبة الابتداع دورها في كل واحدة منها. ففي عوامل الاهتداء إلى صناعة الأواني الفخارية على سبيل المثال ليس من المستبعد أن يكون الإنسان القديم قد هيأ لنفسه منذ الدهر القديم الأعلى أوعية بدائية خشنة يسيرة يحتفظ فيها بقوت يومه ويأكل فيها حبوبه المجروشة ويشرب فيها الماء واللبن. وإذا صح هذا الظن، صح التساؤل معه، وكيف وفر هذا الإنسان الأول أوعيته هذه وكيف كانت هيئتها؟ هناك احتمالان للإجابة على هذا السؤال وهما: أن يكون الإنسان قد اتخذ أوعيته تلك من بيض النعام على نحو ما فعل أصحاب الحضارة القفصية في شمال إفريقيا. أو يكون قد صنع أواني الطعام من ألياف النخيل والدوم وما يشبهها، واتخذ أواني الشراب من جيوب الجلد التي تشبه السقاء، على نحو ما تفعل بعض الجماعات البدائية المتخلفة حتى الآن٢.
_________________
(١) ١ انظر أيضًا: مصطفى عامر: في تاريخ الحضارة المصرية – المجلد الأول – القاهرة ١٩٦٢ – ص٥١، عبد العزيز صالح: المرجع السابق – ص٦٨ - ٩٢. ٢ Caton-Thompson، Ma، Xxxii “١٩٣٢”، ١٣١f،; H. Frankfort، Studies In The Early Pottery، ١٩٢٤، ١٢; J. Meyrs، In Cambridge Ancient History، I. ٧٩.
[ ٢٧ ]
ومنذ استقر الإنسان على مدرجات وضفاف الأنهار استقراره الطويل، اهتدى إلى صلاحية الطمي لصناعة أوانية، ثم استعمالها بعد حرقها. ومرة أخرى يصح التساؤل عن المقدمات التي سمحت له بأن يتبين خواص الطمي وفوائد حرقة، وفي تخمين هذه المقدمات احتمالان أيضًا، وهما: أن يكون الإنسان قد لحظ صلابة الطمي واحمراره تحت مواقد النار التي كان يستعملها منذ دهوره القديمة، وأطال ملاحظته حتى أدرك أثر الحرارة في هذه الصلابة وذاك الاحمرار، ثم تعمد أن ينتفع بهذا الأثر في حياته العملية وجريه في صناعة أواني الفخار حتى أتقنها. أو أنه اعتاد على أن يغشي أوعيته الليفية القديمة بغشاء خفيف من الطمي يسد مسامها ثم لاحظ بعد مرات ومرات، أن أوعيته تلك إذا تعرضت لحرارة الشمس جف سطحها الخارجي وإذا تعرضت لحرارة النار احترقت أليافها واحمر طميها أو اسود وتماسك. فلما أطال الملاحظة في هاتين الظاهرتين أدرك أنه يستطيع أن يستغني عن استعمال الليف في صناعة أوانيه، ويستطيع أن يكتفي في صناعتها بالطمي المحروق وحده١.
وظل الصناع يصنعون أوانيهم الفخارية يدويًّا أمدًا طويلًا "دون معرفة عجلة الفخراني". وكان الصانع يبدأ بتنقية من الشوائب العالقة به، ويعجنه بالماء بقدميه، ويضيف إليه أحيانًا بعض التبن الدقيق الخفيف أو الروث المسحوق، ليقلل به لزوجته ويزيد من تماسكه. ثم يشكل آنيته ويسوي سطحها بيده المبللة حتى يقلل من سعة مسامها، ويجففها في حرارة الشمس قبل أن يحرقها حتى لا تؤثر النار المتوهجة على شكل عجينتها الطرية أو تعمل على تبخير مائها بسرعة فتتشقق جوانبها. وكانت هذه الخطوات تكفي لصناعة الأواني العادية قبل حرقها، فإذا شاء الصانع أن يزيد عنايته بها غشى سطوحها قبل أن تجف بغشاء خفيف من صلصال ناعم؛ ليسد مسامها ويقلل رشحها ويجعل سطوحها ملساء تصلح للرسم والزخرفة. وإذا شاء أن يصقلها، حكها قبل تمام حرقها بصدفة أو حصاة ناعمة، حتى يزيد تماسك مسامها ويقلل خشونة سطحها ويجعلها أكثر قابلية للتلون بعد حرقها في النار٢.
وفي ظل الرزق المكفول مرة أخرى، وفي ظل أوقات الفراغ التي سمحت بها ظروف الدورة الزراعية الواحدة، مع نمو عادة الادخار وتنوع الحرف، وفي ظل الرخاء النسبي المترتب على ذلك كله، بدأت خيوط التحضر في الشرق تتزيد في الوضوح قليلا قليلا، وأخذت أذواق الرؤساء وأهل اليسار تتحسس سبل الاستمتاع بالجمال، ومضت صناعة أدوات الزينة وأساليب الزخرفة وراءها تتلمس لأصحابها الجزاء المقبول ورواج الصنعة. وبمعنى آخر كان من الطبيعي بعد أن نجح الإنسان القديم في تحسن حياته المادية أن يتجه إلى إشباع ذوقه وإرضاء تطلعاته المعنوية.
وبدأت طفولة الفن حينذاك بصناعة تماثيل صغيرة من الصلصال "والخشب والعظم والعاج"، قلد الصناع فيها
_________________
(١) ١ J. Meyers، Op، Cit.، ٧٠. ٢ الفرد لوكاس: المواد والصناعات عند قدماء المصريين – معرب بالقاهرة – ص٥٩٧ - ٦٠١. H. Frankfort، Op. Cit.، ٦.
[ ٢٨ ]
الكحل "الملاخيت" بجوار مواقد الأكواخ عن غير قصد، فإذا اشتدت نار المواقد وصهرتها خلصتها من لونها الأخضر وأبقت منها رواسبها المعدنية البارقة. ولما تكررت هذه الظواهر وأمثالها، والتفتت الأنظار إليها وظهر من الصناع من أدركوا مسبباتها، أصبحوا يكررونها عن قصد ويبحثون عن أخلاط النحاس في مواطنها القريبة والبعيدة ثم يصرونها بوسائلهم البدائية اليسيرة١.
وتعتبر العهود الأولى لاستخدام النحاس في الشرق الأدنى جزءًا من فجر تاريخه، ولكنها توصف على الرغم من ذلك بثلاث تعريفات خاصة بها، وهي: تعريف زمني يسميها العصر الإنيوليثي بمعنى العصر الحجري الأحدث، وتعريف حضاري يسميها العصر الخالكوليثي بمعنى العصر النحاسي الحجري "وتعرب تجاوزا باسم عصر بداية المعادن"، ثم تعريف تاريخي يسميها باسم عصر ما قبل الأسرات في مصر بخاصة.
وبدأ الانتفاع بالنحاس على نطاق ضيق، ولم يزد استخدامه في بداية أمره عن صناعة مجموعات من الخرز الصغير تستخدم في أغراض الزينة، ومثاقب طويلة دقيقة استخدمت في ثقب حبات الخرز الحجرية، ودبابيس طويلة استخدمت في شبك أرديتهم الجلدية أو الكتانية. ثم اتسع استخدام النحاس اتساعًا نسبيًّا مع مرور الزمن، وصنعت منه بعض المدى والأسلحة الصغيرة، وتطلب هذا التوسع مزيدًا من النشاط في استخراج المعدن وتنقيته، ومزيدًا من النشاط في البحث عن مصادره. وكان أمر هذا النشاط في مصر أمرًا ميسرًا بعض الشيء، فقد توفرت مصادر النحاس فيها في شبه جزيرة سيناء وبعض مناطق الصحراء الشرقية، وذلك على العكس من حال أهل بلاد النهرين، الذين قلت مصادر النحاس في أرضهم وتوفرت فيما حولهم في إيران والأناضول وعمان، وكان عليهم بذلك أن يبذلوا المجهود في استيراده.
_________________
(١) ١ A. Lucas، Jea، Xxxi، ٩٦-٩٧; Coghian، Man، July ١٩٣٩. الفريد لوكاس: المرجع المعرب السابق – ص٢٨١ - ٢٨٣، ٢٤٦.
[ ٢٩ ]