لعل أكثر معابد الشمس بقاء حتى الآن هو معبد ني وسررع سادس ملوك الأسرة. وهو معبد ضخم شيد هو وملحقاته من الحجر١. وتكونت عمارته معها من ثلاثة عناصر متمايزة: مبنى ضخم ينهض على حافة الهضبة ويطل على الوادي، ويعتبر مدخلًا إلى منطقة المعبد، ويشبه معبد الوادي بالنسبة لمناطق الأهرام. ويليه طريق صاعد مكشوف لأشعة الشمس تعبره الوفود وهي تهلل لربها نور السماء والأرض. ثم معبد الشمس الرئيسي ذاته، وهو بناء ضخم ولكنه بسيط التكوين، يتألف من فناء رحب مرصوف عظيم الاتساع ينكشف لنور إله الشمس ويتضمن رموزه التي رأى الناس آياته فيها ورمزوا بها إليه. وأهم هذه الرموز مسلة حجرية ضخمة بلغ ارتفاعها الأصلي في عهد ني وسررع فيما يعتقد بورخارت، نحو ستة وثلاثين مترًا، واتخذت قمتها هيئة الشكل الهرمي الصغير، وكانت فيما يرجح مكسوة بصفائح النحاس أو مموهة بالذهب ليتألف نورها ويتوهج حين تنعكس عليها أشعة ربها كل صباح، ولعلها لهذا سميت "بنين" ربما بمعنى المشعة٢. ويرى شبيجل أن قمة المسلة كانت ترمز على ما رمزت إليه قمم الأهرام من حيث اعتبارها رمزًا للنظام العالمي الذي يحتل الرب أو الفرعون قمته وأعلى وأرفع مكان فيه. وكان يتقدم المسلة من ناحيتها الشرقية مائدة متسعة من المرمر، تقدم القرابين عليها ويحرق بعضها ليتصاعد عبيرها إلى إله الشمس في سمائه. ويتضمن المعبد موضعين آخرين لنحر الضحايا، تجري الدماء منهما في مجار مكشوفة إلى أحواض حجرية مستديرة واسعة. وجاورت المعبد من الخارج قرب جداره الجنوبي هيئة مركب مشيدة من اللبن، كانت تتضمن مركبًا خشبية يبلغ طولها نحو ثلاثين مترًا، ترمز إلى مركب إله الشمس. ويحتمل أنه كانت تقابلها مركب أخرى، بحيث ترمز إحداهما إلى مركب النهار "معنجة" التي اعتقد المصريون أن رب الشمس يعبر بها سماء الدنيا لينيرها للأحياء، وترمز الأخرى إلى مركب الليل "مسكتة" التي يعبر بها سماء العالم السفلي لينيرها للموتى، موزعًا
_________________
(١) ١ ١ - F.W. Von Bissing-L. Borcherdt، Das Re-Heiliglum Des Konigs Ne-Woser-Re "Rathures"، ١-Iii، Berlin ١٩٠٥-١٩٢٨; Von Bissing-H، Kess، Unters، ٢u Den Reliefs Dem Re-Heiling Des Rathres، Munich، ١٩٢٢. ٢ J. Spieegel، Op. Cit.، ٦٠٦; Orientalis، ١٩٧٠، ٣٩٨ F.
[ ١٢٧ ]
فضله على هؤلاء وهؤلاء، وكأنهم اعتبروا زرقة السماء بحرًا وسيلة العبور فيه هي المراكب أهم وسائل الانتقال في دنياهم.
ومن خصائص معابد الشمس أنه لم تجر عادة المصريين على أن يضمنوها تماثيل لربها أو محاريب مغلقة يعبد فيها. واتجهوا بدعائهم إلى كوكبه في سمائه، وقدموا قرابينهم إلى الشرق من مسلته، ونزهوه عن أن يختفي في أرضهم داخل تمثال أو خلف جدران وأستار. واستمرت هذه المظاهر تميز معابد الشمس المصرية عن معابد بقية الأرباب في أغلب العصور القديمة. وحرص أتباع الشمس على أن يسجلوا في معابد ربهم مظاهر فضله على ملوكهم، فصوروهم يحتفلون بأعياد السد في ظله. ثم سجلوا فيها نعمته على عبادة بعامة، فزينوا بعض قاعاتها وممراتها الجانبية بمناظر ذات ألوان زاهية ورمزوا فيها إلى مظاهر الحيوية في الدنيا ووجوه النشاط التي تتعاقب خلال فصول السنة بفضل الشمس وربها، من حرث وبذر وجني وحصاد، وتناسل الحيوانات وتكاثرها، وحياة الطيور في الطبيعة الطلقة حين تغرد وحين تمرح وحين تفزع وحين يعتدي كبارها على صغارها، وحين تعطف الأم على أفراخها، ثم تعبئة عسل النحل وتخمير العنب ، وهلم جرًّا. وبلغ فنانو عصر الأسرة الخامسة في ذلك النجاح كله، من حيث حيوية التصوير ووضوح الألوان ودقة التفاصيل١.
_________________
(١) ١ Wresz، Atlas، Iii، ١٠٦; Von Bissing، Asae، ١٩٥٥-١٩٥٦، ٣١٩ F.
[ ١٢٨ ]