تميز من رجالات النصف الأخير من عصر الأسرة الحادية عشرة الذين عرفنا تاريخهم ثالث رجال: فنان مجتهد يدعى إرتيسن، وكاهن مزارع من أواسط الناس يدعى حقانخت، وموظف كبير يدعى مكت رع. وصورت مخلفات الرجال الثلاثة ثلاثة جوانب من جوانب الحياة الاجتماعية في العصر الذي عاشوا فيه.
كان إرتيسن أقدم الثلاثة وقد عاصر نب حبة رع، وترك نقوشًا يفهم منها أنه قسم معرفته ثلاثة أقسام: معرفة باللغة، ومعرفة بمراسيم الدين وطرق السحر وتنظيم المواكب الدينية، ثم معرفة فنية وآلية، وكان مما اعتز به أنه ابتدع موادَّ للتغشية لا تحرقها النار ولا يزيلها الماء، وأنه كان يتقن تصوير الجسم البشري
[ ١٦٣ ]
في كل أوضاعه، لا سيما حركات التقدم والتأخر، وحركة الشخص الجاري، وكيفية رفع الذراع عند صيد فرس النهر. وكان ينحت تماثيله من كل المواد الثمينة ابتداء من الفضة والذهب على حد قوله وانتهاء بالعاج والأبنوس، واعتز بأن ما وصل إليه لم يبلغه أحد سواه هو وولده سنوسرت١.
وكان مخالفات حقاخنت، عبارة عن بضع رسائل كتبها إلى ولده الأكبر مرسو٢، يمكن أن تستنتج منها مجريات الأمور في الأسر المصرية الوسطى في عهده، ثم مدى السلطة التي افترضها الآباء لأنفسهم على أولادهم وإن بلغوا سن العمل، ومدى الفوارق الطبيعية في معاملة الوالد لأبنائه وفق أعمارهم.
كان حقانخت مشرفًا على شئون مقبرة أحد الوزراء وأوقافها الموزعة في الصعيد والدلتا، كما كانت له أملاكه الخاصة. وقد ترك أولاده الخمسة في طيبة وارتحل عنهم إلى نواحي منف ليباشر أعماله فيها لفترة أوفت على العام. وعهد إلى ولده الأكبر مرسو بأرضه ومخازن غلاله ومدخرات داره، كما عهد إلى ولد آخر يصغره بخمسة وثلاثين رأسًا من الماشية شارك جاره فيها. وكتب حقانخت إلى ولده الأكبر بضع رسائل من منف تتبدى شدته فيها عليه وتحميله مسئولية الأسرة كاملة. فكتب إليه في بعض أموره يقول: "إذا طغى الفيضان على أرض فالويل لرجالي ولك، ولن ألق المسئولية إلا عليك". ويقول: "عليك أن تبذل الجهد في أرضي واجتهد بأقصى ما تستطيع، اعزق الأرض، وتدخل في كل عمل". وكان لا يفتأ يردد عليه قوله: أنت سعيد لأني أعولك، ولماذا أعولك؟. وإذا اجتهدت دعا الناس لك، وإذا لزمت الهدوء فإنه نعم العمل. ولكنه تخلى تمامًا عن هذه الشدة بالنسبة لولده الأصغر سنفرو، فكتب عنه إلى أخيه يقول: "إذا لم يكن لسنفرو ما يكفيه معك في البيت فلا تتوان عن إخباري، فقد بلغني أنه غير راضٍ. اعتن به كثيرًا وأعطه مئونته، وبلغه سلامي ألف سلام، بل مليون مرة. اعتن به وأرسله إليَّ بعد أن تحرث الأرض مباشرة"، ثم كتب عنه ثانية قائلًا: "إذا كان سنفرو يريد أن يعتني بالماشية فدعه يفعل؛ إذ يبدو أنه لا يحب أن يجري معك هنا وهناك في حرث الأرض، كما أنه لا يريد أن يأتي إلى هنا، وعليك أن تمتعه بكل ما يحب".
وكان للرجل ولد صغيرة شقي يدعى ساحتحور اشترك في مشاكسة جارية أبيه مع خادمة تدعى سنن، فلم يزد حقانخت على أن صب جام غضبه على الابن الأكبر والخادمة معًا، وتغاضى عن شقاوة الولد الصغير، وقال لمرسو: "اطرد الخادمة سنن من داري على التو، ولكن احرص على أن يتردد ساحتحور عليك يوميًّا، وإذا بقيت سنن في الدر يومًا واحدًا وأساءت إلى جاريتي فأنت الملوم. وإلا فما الذي تستطيع أن تفعله جاريتي إزاءكم وأنتم خمسة أولاد؟ سلم لي على أمي إيبي ألف سلام، بل مليون مرة". وعاود الحديث عن الجارية في خطاب آخر فقال: "لاحظ أنها جاريتي، وأنه ينبغي إحسان معاملة جارية الإنسان ، وإلا فكيف أعيش معكم في دار واحدة، إن لم تحترموا جارية من أجل خاطري؟ ".
_________________
(١) ١ Louvre، C ١٤ ; Marcelle Baud، "Le Metier D'iritiser""، Chr. D'egypte، ١٩٣٨، ٢١ F. ; H.E. Winlock، The Rise And Fall Of The Middle Kingdom، ٣٢. ٢ Op. Cit. ; Bull. Metr، Mus.، ١٩٢١، ١٢ F. ; Jame، The Hekanakhte Papers ١٩٦١.
[ ١٦٤ ]
وعثر في مقبرة مكت رع بمنطقة الدير البحري في طيبة١ على نماذج كثيرة لأدوات زينته وأناقته، ونماذج أخرى طريفة لداره أو دواره وما كان يلحق بها من مكاتب ومصانع وحظائر ومخازن، فضلًا عمن كانوا يعملون فيها من موظفين وأتباع وصناع. وتبقى من نموذج لمسكنه الخاص جانب أمامي من طابق أول لا يختلف كثيرًا عن الطوابق الأولى في الفيلات الحديثة، يتألف من فناء متسع يتوسطه حوض ماء مستطيل كبير، تشرف الأشجار على جانبيه، وتلا الفناء صفة مرتفعة أو فراندة متسعة يعتمد سقفها على ثمانية أساطين خشبية دقيقة ملونة، شكلت سيقانها وتيجانها على هيئة اللوتس والبردي.
وتخلف من ملحقات الدار أو الدوار نموذج لمصنع غزل ونسيج تعمل فيه طائفة من النساء، وكان صاحبه يؤدي ضرائبه العينية إلى الدولة، وربما اشتغل لحسابها أيضًا، ونموذج مصنع للنجارة يعمل فيه صناعة ويستخدمون أدوات يدوية لا تزال تستعمل حتى الآن، وأخصها المناشير والأزاميل والدقاميق. ونموذج كرار لتخمير الجعة وتصفيتها، وآخر لمعجن ومخبز يعمل فيه رجال ونساء، وغيره لحظيرة متسعة جاورتها ظلة مرتفعة فسيحة جلس فيها رب الدار ومن حوله حراسه حاملو الحراب، وكتبته الذين جلس كل منهم أما منضدة حجرية صغيرة وضع فوقها أدوات كتابته. وهكذا احتفظت نماذج مكت رع بصورة لثراء المترفين في عصره، عصر الأسرة الحادية عشرة، ونمت عن أنه كان من أصحاب الأملاك من حققت لهم أملاكهم الواسعة حظًّا من الكفاية الذاتية في إنتاج مطالبهم ومطالب أسرهم وأتباعهم المحيطين بهم.
ولم تتضمن مقبرة مكت رع صورة من حياة النعيم وحدها، وإنما تضمنت في الوقت نفسه مئات من أسلحة الحرب ونماذجها، لا سيما الحراب والأقواس وجعاب السهام، وذلك مما يعني أحد فروض ثلاثة، وهي: أن الرجل كان من هواة جمع الأسلحة وكان يحتفظ بها في قاعة بداره، أو أن تقاليد عصره كانت تفرض على الأثرياء أن يحتفظوا بأسلحة كثيرة ليزودوا بها رجال أقاليمهم حين تطلب الدولة منهم تسليحهم. أو أن أيام مكت رع بالذات كانت أيامًا مضطربة وكان عليه أن يترقب مفاجآتها بأسلحته. وكل فرض من هذه الفروض الثلاثة محتمل.
لم تقتصر مخلفات عصر الأسرة الحادية عشرة على نماذج المساكن الثرية وحدها، وإنما احتفظت معها بنماذج صغيرة من الطين قلدت التخطيط العام لبيوت أهل الطبقات الفقيرة والطبقات الوسطى، وظهرت هذه النماذج منذ نهاية الدولة القديمة، واستمرت خلال عصر الانتقال الأول، ثم اكتملت عناصرها لي بداية الدولة الوسطى، واقترح فلندرز بترى تسميتها باسم بيوت "الكا"، إيماء إلى تخصيصها لنفع النفس "أو الروح" في أخراها٢.
وظلت نماذج البيوت الفقيرة منها لا تعدو فناء مسورًا بسور طيني خفيض، يقوم في مؤخرته من الداخل كوخ "خص" مقبى السقف مبني بجواليص الطين، أو تحل محله صفة "تسقيفة" متواضعة مسطحة أو
_________________
(١) ١ H.E. Winlock، Excavations At Deir El-Bahari، ١٩٤٢، ٥٨ F. ٢ Petrie. Gizah And Rifeh، I، Xiv F. ; Egyptian Architechure، Pl. Xxiv. Etc.
[ ١٦٥ ]
مائلة السقف يرفع سقفها عمودان أو ثلاثة من جواليص الطين أيضًا. وتميزت عن هذه النماذج نماذج أخرى تفضلها بعض الشيء قلدت البيوت الريفية اللبنية الشائعة، واحتوت في نهاية فنائها ثلاث حجرات متصلة أو منفصلة، يتقدمها رواق مستطيل مسقوف، ويعلوها سطح مسور بحواجز بسيطة "درابزين" تنفذ منه منافذ مائلة للتهوية والضوء "تشبه ملاقف الهواء التي كانت تتضمنها بيوت الجيل الماضي ودوارات الريف". وقد يتصرف أصحاب المسكن في حجراته فيرتبونها على جانبي الرواق أو على جوانبه الثلاثة، ويستفيدون من السطح المتسع فيقيمون بين منفذي الهواء "الملقفين" حجرة عليا صغيرة. وقد يشيدون الدرج المؤدي إلى السطح من ركن الفناء أو يجعلونه يعتمد على الجدار الخارجي للمسكن إذا كان بعيدًا عن جدار السور. وغالبًا ما يبنون حجرة ضيقة في ركن الفناء لاستخدامها مخزنًا أو حظيرة للطيور ويتركون بقية الفناء لمبيت الماشية. وامتازت عن النماذج السابقة من حيث الثراء ومن حيث التطور نماذج بيوت أهل الطبقة الوسطى الريفية، وكانت ذات طابقين وسطح، يؤدي إلى طابقه العلوي وسطحها درج يعتمد على عقد مقبى، ويكون لحجراتها العليا نوافذ حيث لا خوف من تلصص المارة في الطريق على أهلها. وظل للأروقة الأمامية المسقوفة مكانها في الطابقين لجلوس أهلها في أمسيات الصيف ولاستقبال الضيوف. وقد يحتوي فناؤها الواسع على حوض رباعي تحيط به ظلة "تسقيفة" ذات أعمدة. وكثيرًا ما وجدت في حجرات هذه النماذج نماذج أخرى صغيرة لأسرة ومقاعد، وذلك مما يعني أنها أصبحت تخدم غرضين، وهما: نفع النفس أو الروح، والرمز إلى المساكن الذي يتمناه المتوفى في أخراه.
[ ١٦٦ ]