تأثرت أساليب النحت في عصر الأسرة الثانية عشرة بمدرستين فنيتين: مدرسة في منف رجعت بتقاليدها الفنية إلى تراث الدولة القديمة وخلطت الواقعية بالمثالية في نحت تماثيل فراعنتها، فلم تكتف بأن تصور وجوههم وأبدانهم كما هي في واقع أمرها، وإنما تعمدت أن تضفي على هذه الوجوه والأبدان هيبة مطلقة وشبابًا خالدًا، وتقاطيع ملحية متناسقة، وانتصابة قوية كاملة، وهيبة مترفعة متسامية. ثم مدرسة أخرى في طيبة، استحبت الأسلوب الواقعي الذي بدأ عفوًا خلال عصر الانتقال الأول، واهتمت بدراسة
[ ١٧٧ ]
الوجوه، وعبرت عن ملامح أصحابها كما هي في واقع أمرها، وحاولت أن تترجم عن خصائص الطبع والمزاج التي فرقت بين كل فرعون وآخر من فراعنة عصرها. وبلغت هذه المدرسة ذروة نجاحها في منتصف عصر الأسرة الثانية عشرة، حين عبرت بالملامح الجادة القوية في وجوه تماثيل الفرعون سنوسرت الثالث، عن شخصية عسكرية عنيدة قوية الإرادة بلغ من حزم صاحبها أن أعلن تبرؤه من كل ولد له لا ينهج منهاجه في الحرب وحماية حدود بلاده وتوسيعها. بينما عبرت بالملامح الرصينة الطيبة في تماثيل الفرعون أمنمحات الثالث عن شخصية هادئة مالت إلى حياة السلم واستحبت مشاريع العمران. وهكذا كان أمرها في التمييز بين ملامح كل ملك وآخر من بقية ملوك الأسرة، مع الاحتفاظ لهم جميعهم بطابع أسري موروث كان من أوضح مظاهره بروز عظام الوجنتين.
وعلى نحو ما درس الفنانون خصائص وجوه فراعنتهم؛ ليترجموا بها عن واقع حياتهم، جددوا في أوضاع تماثيلهم وعبروا بها عن حقيقة الصلات التي اعتقدوا بوجودها بينهم وبين أربابهم. فمثلوا الفرعون سنوسرت الثالث رجل الحرب العنيد بملامحه الجادة المعتادة، ولكن في لحظات خاصة لانت فيها شدته، ورق فيها عناده، ووقف فيها على هيئة المتعبد أمام ربه الذي يخشاه وينهج في حكمه وعدله بما يرضاه، فأرسل يديه متراخيتين على ساقيه في تقى وخشوع كريم، ونحتوا تماثيل ملكية أخرى، بقي منها ما يمثل الفرعون جالسًا يضع تمثال ربه على ساقيه، وما يمثله جاثيًا على ركبتيه يقدم آنيتين على يديه قربانًا لخالقه.
ويغلب على الظن أنه شجع المدرسة الطيبية على أسلوبها هذا، انفعال فنانيها بالتطورات السياسية التي مست أوضاع الملكية في عصرهم ومن قبله في عصر الانتقال الأول. وهي تطورات كان من أوضح مظاهرها أن الفراعنة أصبحوا يعترفون بواجباتهم علانية إلى جانب حقوقهم، وأصبح بعضهم يتعرض للقتل في عقر داره، ويصرح بعجزه وهو وحيد أمام كثرة خصومه. وأصبح بعضهم يقود جيشه بنفسه ويقاتل مع المحاربين ويكافح فيما يكافحون فيه. وأصبح بعضهم يرضيه أن يوصف بأنه يعمل بيديه. وترتب على هذه التغييرات كلها أن أصبح الفنانون يعتبرون أن مظاهر الحياة الفعلية الصالحة التي عاشها فراعنتهم تكفيهم للتعبير عن مثاليتهم، وأن إظهارهم بمظهر الخاشعين لربهم لن يقلل من مكانتهم.
وتأثرت تماثيل كبار الأفراد في عصر الأسرة الثانية عشرة بروح عصرها، وخضع بعضها للطابع الإقليمي إلى جانب المدرستين الفنيتين اللتين تأثرت بهما تماثيل الفراعنة. فقد مر بنا كيف توفر لحكام الأقاليم منذ أواخر عصر الأسرة الحادية عشرة وخلال النصف الأول من عصر الأسرة الثانية عشرة ثراء واسع هيأ لفنون أقاليمهم نصيبًا من الازدهار. وكان نصيب فن النحت من هذا الازدهار الإقليمي نصيبًا قليلًا، فخرجت تماثيله لا تخلو من خشونة نسبية، وإن دلت تقاطيعها على سحن إقليمية أو ريفية صادقة صميمة. ولم يكن ثراء حكام الأقاليم خلال عهود الأسرة الثانية عشرة بغير نتائج حضارية أخرى، فقد تضمنت مناظر مقابرهم صورًا تدل على أن اهتمام مجتمعهم بأمور الدين والآخرة لم يصرفه عن التماس متع الدنيا ومرحها ومن أمتع مناظرها ما صور رياضة البدن، الخفيفة منها والعنيفة. وكان للرياضة الأولى منهما تمارين تشبه
[ ١٧٨ ]
بعض تمارين الجمباز الحالية في أوضاعها بل وفي ملابس لاعبيها١، ومن أطرافها ما يصور غلامًا يعتمد على ناصية رأسه ويحفظ توازنه في استقامة كاملة بغير أن يرتكز على يديه أو كفيه٢. كما كان منها ما يصور أوضاعًا مختلفة للعب البنات بكرات اليد الصغيرة٣. وصورت الرياضة العنيفة تمارين المصارعة وحمل الأثقال وما يشبه القفز الطويل. وكانت المصارعة هي الأكثر شيوعًا، بحيث صورت لها إحدى لوحات المقابر ٢١٩ وضعًا لا يكاد يتشابه وضع منها مع الآخر. وذلك مما يعني أنه كانت قد استقرت لها قواعد وأصول منذ ما قبل أوائل الألف الثاني ق. م، وأن المصورين والهواة كانوا يستمتعون بها ويدركون ما بين كل وضع من أوضاعها وبين بقية الأوضاع من اختلاف. ولم تكن مبارياتها تستهدف حب الغلبة دائمًا بقدر ما تستهدف إظهار الفن والمران والترفيه أحيانًا. ففي بدايتها يقف المتباريان في مواجهة بعضهما في سماحة، بحيث يتمهل أحدهما حتى يفرغ زميله من عقد حزامه حول خصره، ثم يأخذان معًا في مباراة مهذبة وإن تكن جادة مجهدة في الوقت نفسه٤. وقد ظهر من مبادئ المصارعة في مناظر أخرى لاحقة من عصور الدولة الحديثة ما يفهم منه أن المباراة كانت تبدأ بأن يشد كل لاعب على يد منافسه بيسراه ويجذب عنقه بيمناه حتى يتبين قوة غريمه ويعجم عوده، وأنه كان من شروط الفوز إجبار المغلوب على لمس الأرض بثلاث نقط مثل اليدين والركبة، ويتساوى حينذاك إن كان قد انكفأ على بطنه أم ألقي على ظهره أم تمدد على جنبه. ومن أساليب حمل الأثقال التي صورتها رياضة الدولة الوسطى رفع غرارة مملوءة بالرمل حتى ثلاثة أرباعها بيد واحدة إلى أعلى مع محاولة اللاعب الاحتفاظ بها في وضع رأسي ما أمكن٥. كما كان من أساليب القفز الطويل أن يقفز اللاعب عاليًا على امتداد ظهر ثور واقف، أي فيما بين مؤخرته وبين قرنيه، في حين يمسك زملاؤه بقرني الثور وأطرافه حتى لا يتحرك فيؤذيه٦.
_________________
(١) ١ G. Wilkinson، A Popular Account Of The Ancient Egyptians، ١٨٥١، Vol. I، Fig. ٢٠٣. ٢ Newberry، Beni Hasan، Ii، Pl. XVI. ٣ Ibid.، Pls. Iv، XIII. ٤ Ibid. Pls.، V، XXXII. ٥ Ibid.، Ii، Pl.، VII. ٦ Ibid.، Pl. XXXI. وراجع: عبد العزيز صالح: التربية والتعليم في مصر القديمة – القاهرة ١٩٦٦، ص١١٣ - ١١٦.
[ ١٧٩ ]