استمر التطور في طريقه خلال فجر التاريخ المصري، وكانت خطوته التطورية الرئيسية بعد معرفة الزراعة، هي معرفة استخراج النحاس من أخلاطه الطبيعية واستخدامه في صناعة أدوات صغيرة "كما أسلفنا في صفحة ٣١". وأقدم الأماكن الأثرية التي عثر فيها على مصنوعاته في مصر هي قرية البداري
[ ٤٣ ]
في مديرية أسيوط، ولو أن مصنوعاتها تلك كانت لا تزال في مراحلها المتواضعة الأولى، فاكتفى أهلها بأن صنعوا من النحاس مجموعات من الخرز الصغير استخدموها في صناعة الحلي، ومثاقب دقيقة طويلة استخدموها في ثقب الخرز الحجري، ودبابيس طويلة استخدموها في شبك أرديتهم الجلدية والكتانية١. ويذهب الرأي إلى رد حضارة البداري إلى النصف الثاني من الألف الخامس قبل ميلاد المسيح. وقد ورث أهلها مهارة أهل دير تاسا في زخارف فخارهم وفي عاداتهم وعقائدهم، ثم تطوروا بها إلى ما يناسب أذواقهم وأحوال عصرهم.
ففي الفخار صنعوا أواني رقيقة الجدران للغاية لا يكاد يدانيها في رقتها فخار آخر سابق لها. وفي زخارف الفخار اتخذوا من أشكال ورق الشجر وغصون النبات بديلًا عن خطوط الرسم المستقيمة والمائلة التي عرفتها دير تاسا من قبلهم، وقللوا غور الرسوم المحفورة على سطوح أواني الزينة واكتفوا بأن أخرجوها في حفر مسطح بسيط يكاد يستوي مع سطح الآنية المصقول بحيث لا تلحظ العين عمقه إلا بعد تدقيق٢.
وفي عادات الدفن استمر أهل البداري على العناية بموتاهم وبالأدوات التي توضع معهم، ثم بدءوا عادتين جديدتين وهما: وضع المتوفى على لوحة مسطحة، وتبطين جوانب المقبرة بالحصير٣. ويعتبر وضع المتوفى على اللوحة المسطحة مرحلة من مراحل التطور إلى فكرة وضعه داخل تابوت "وقد سبقتها مرحلة أخرى في دير تاسا بالنسبة لتوابيت الأطفال"، كما كان تبطين جوانب المقبرة بالحصير مرحلة من مراحل التطور إلى تبطينها بالخشب وتحديدها باللبن فيما تلا ذلك من عصور.
وشغف البداريون بأدوات الزينة والترف المناسبة لعصرهم، ولم تكن هذه قاصرة على نسائهم، وإنما اعتاد رجالهم أيضًا أن يتزينوا بالأساور في المعاصم والدمالج٤. واستحبوا الأصداف والخرز في زينتهم، وسلكوا حبات الخرز في خيوط الكتان وشعر البقر واستخدموها قلائد وأساور ورصعوا بها أساور العاج، وتزينوا بقليل من الخواتم العاجية والعظيمة وشنوف الآذان وربما شنوف الأنوف أيضًا٥. وصنعوا أمشاطهم من العظم والعاج بأسنان طويلة وتفننوا في هيئاتها وشكلوا أجزاءها العليا على هيئة رءوس الطيور٦. وصنعوا إبرهم من النحاس فضلًا على العظم والعاج، واهتدوا إلى طريقة ثقبها٧، ولم يكن ذلك الاهتداء بالأمر الهين في شئون حياتهم اليومية على الرغم من بساطته. وكان أمتع ما خلفوه من الأدوات الرقيقة ملاعق من العاج، فقد صنعوها بأشكال لا تكاد تختلف عن أشكالها الحالية، ونوعوا تجاويفها بين هيئة المستطيل والبيضاوي
_________________
(١) ١ G.Brunton & Caton-Thompsob، The Balarian Civilistion، ١٩٢٨، ٧، ٢٧، ٣٣، ٤١، Pl. Xxvi. ٢ Ibid.، ٢٠. F.، Pls. Xii، Xiv، Xviii، Etc. ٣ Ibid.، ١٨، ٢٠. ٤ Ibid.، ٢٧، ٢٨، ٣٠، ٤٠ F.، ٥ Ibid.، ٣٠، Pls. Xxiii، ٢١، Xxiv، ٧-١٢، ١٣; Mostagedda، Pl. Xxv، ١٢، ١٣، ٣٣. ٦ Bad. Civil.. Pls. Xxiv، ٤، ١٨; Mostagedda، Pl. Xxiv، ٢. ٧ Mostagedda، Pls. Xxv; Bad. Civil.، ٣٢-٣٣، Pls. Xx، ١٦، Xxiii، ٢٦-٢٨; Xxvi، I، Xxix، ٤.
[ ٤٤ ]
والمربع، وشكلوا مقابضها بأشكال حيوانية وحلزونية طريفة١، وكل ذلك على الرغم من أنهم عاشوا قبل عصرنا الحاضر بأكثر من ستة آلاف عام.
واتجهت أذواقهم إلى الفن التشكيلي، أي فن التماثيل، وتخلفت في مقابرهم سبعة تماثيل نسائية صغيرة: أربعة من الصلصال واثنان من الفخار، وسابع من العاج. وقد اختلفت صناعتها بين البداوة وبين الإتقان باختلاف مهارة صناعها واختلاف أغراضها واختلاف المواد التي صنعت منها. وأبرعها تمثال من الفخار الملون لفتاة عارية بلغ تناسق جسمها حدًّا واضحًا من الإبداع لولا بروز عجزها الذي يحتمل أنه قصد لذاته، ولولا عدم تشكيل كفيها٢. وكان تمثالها فيما يغلب على الظن واحدًا من التماثيل التي اقتناها أصحاب الذوق السليم لوجه الفن وحده. وقد ضاع للأسف رأسه وجزء من ساقيه. وتمثال من العاج لفتاة عارية أيضًا كانت عيناه مرصعتين بمادة أخرى مثل المحار الأبيض أو قشر بيض النعام، وحاول صاحبه أن يظهر تفاصيله الدقيقة مثل فتحتي الأنف وإنسان العين وفارق الشعر من الخلف٣. وقد نرى في صناعة البداريين لبعض تماثيلهم من العاج ما يدل على رخاء مجتمعهم رخاءً نسبيًّا، وما يتفق مع رقي أذواقهم الذي دل عليه ما تخلف لهم من الملاعق والأمشاط، لولا أن تمثالهم العاجي الباقي هذا، تنقصه سلامة النسب التي ظهرت في تمثال الفخار، وتعيبه ضخامة الرأس وكبر الأنف واتساع محجري العينين بالنسبة إلى بقية جسمه. وقد يرجع ذلك إلى حداثة اشتغال صاحبه بنحت العاج. وقلد البداريون تشكيل هيئة الحيوان كما قلدوا هيئة الإنسان واستغلوا العاج، ويحتمل أنه عاج فيلة كانت لا تزال تغشى أرضهم، في صناعة أواني صغيرة، بعضها أسطواني، وبعضها كري، وبعضها مستطيل، وبعضها مزخرف بصفين من الحبيبات البارزة الدقيقة. وكانت أمثالها على الرغم من بساطتها، تعتبر في عصرها من تحف الزينة وتخصص لحفظ المساحيق والعجائن الثمينة. ونسبت إليهم آنية صغيرة ممتعة من العاج شكلوها على هيئة فرس النهر وجعلوا فتحتها فوق ظهرها.
وعلى أية حال، فإن ما يمكن الخروج به من ذكر ما أسلفناه للتاسيين والبداريين في عادات الدفن وزخارف الفخار وحلي الزينة وتشكيل التماثيل، هو أن ما اشتهرت به العصور التاريخية المصرية من الإيمان بحياة أخرى، ومن المهارة الصناعية والذوق الفني المرهف وحب الزخرف، كل هذا نبتت بذوره في أرض مصر وبأيدي أهلها وامتدت جذوره إلى ما قبل عصورها التاريخية بقرون طويلة.
_________________
(١) ١ Bad. Civil.، Pl. Xxii; Mostagedda، Pl. Xxiv. ٢ Bad. Civil، ٢٨، Pl، Xxv، ٦-٧. ٣ Ibid، ٢٩، Pl. Xxv، ٣-٤.
[ ٤٥ ]