تعتبر حضارة الفيوم نموذجًا لحضارات بداية العصر الحجري الحديث في مصر الوسطى. وتشغل الفيوم منطقة من مناطق الحواف الصحراوية، وقد يسرت لها حياتها وعوضتها عن بعدها عن النيل في عصورها القديمة، بحيرتها الكبرى التي كانت عذبة الماء كثيرة الأسماك تستهوي صنوفًا عدة من الحيوانات، وتتصل بالنيل بفروع مائية، وذلك فضلًا عن خصوبة مدرجاتها التي سمحت بنمو النباتات الطبيعية فيها وصلاحيتها للزراعة. وشهدت هذه المنطقة حضارتين متواضعتين متعاقبتين في العصر الحجري الحديث: حضارة عاش أهلها فوق مدرج متسع عاصر مرحلة بلغ ارتفاع مستوى ماء البحيرة فيها عشرة أمتار فوق مستوى سطح البحر، أو نحو ١٨٠ قدمًا فوق مستوى مائها الحالي، وهي حضارة الفيوم١. ثم حضارة أخرى أعقبتها وعاش أهلها فوق مدرجين متسعين عاصرا مرحلتين بلغ ارتفاع مستوى ماء البحيرة فيهما أربعة أمتار ومترين على التوالي فوق مستوى سطح البحر، وهي حضارة الفيوم ب. وكشف في مدرج الحضارة أوهي الأهم، عن منطقة السكن وحدها دون منطقة المقابر، ولم يعثر فيها على أطلال ظاهرة، وإنما عثر فيها على مواقع المواقد التي كانت تتوسط المساكن، وعلى عدد كبير من أدوات الاستعمال اليومي مثل الأواني الفخارية ومراحي الحبوب وأدوات الزينة المتواضعة وبعض أدوات الزراعة والصيد.
_________________
(١) ١ G. Caton-Thompson & E.W. Gardne The Desert Fayuum، London، ١٩٣٤، Pls. Iii،. ٤، Xxi، Xxxii; Huzayyin، Op. Cit.، ٢٩٦، ٢٩٨. وهبط المستوى الحالي للبحيرة إلى ١٤٧.١٩ من الأقدام تحت سطح البحر "حتى عام ١٩٢٩" Sandford & Arkel، Op. Cit.، I. ٧٣.
[ ٤١ ]
ولوحظ من العادات الزراعية لأهل الفيوم أنهم خرجوا بمطامير غلالهم عن منطقة المساكن وحفروها فوق ربوة عالية بعض الشيء بعيدة عن مساكنهم، ورتبوها في ساحتين ترتفع إحداهما عن مستوى الأخرى بنحو تسعة أمتار١. وحفروا كل مطمورة منها على هيئة مستديرة تفاوت قطرها بين القدم وبين الأربعة أقدام، وتفاوت عمقها بين القدم وبين الثلاثة أقدام، وكسوا قاعها وجوانبها بأغشية من الخوص والقش والحصير وأعواد الأثل، كانوا يلصقونها بها بملاط من الطين. واحتفظت مطاميرهم ببقايا نادرة من الحنطة والشعير وبذور الكتان وبذور نباتات أخرى تفحم بعضها وبقي بعضها الآخر بحالة مقبولة حتى الآن٢. ونشب الجدل حول هذه المطامير بناء على ظاهرتين وهما: أنها تجمعت مع بعضها البعض في منطقتين متقاربتين، وأنها استقلت بنفسها عن منطقة السكن، وذلك على خلاف مطامير مرمدة التي عثر عليها فردية متفرقة بين المساكن أحيانًا وداخل المساكن نفسها أحيانًا أخرى. وحاول الأستاذ هرمان يونكر أن يفسر أسباب الاختلاف بين مطامير الحضارتين، مطامير الفيوم ومطامير مرمدة، فكان من رأيه أن اجتماعها مع بعضها في الفيوم يدل على شيوع الملكية الزراعية ومحاصيلها بين أصحابها، في حين يدل تفرقها في مرمدة على استقلال كل فرد من أصحابها بملكيته الزراعية ومحاصيلها٣، أو هو يدل على استقلال كل أسرة صغيرة بملكيتها. وقد يزكي فرض شيوع الملكية في الفيوم ما رواه بعض الرحالة عن قدم شيوعية الأرض والقوت لدى بعض الجماعات البدائية المتخلفة، وأن أرض الفيوم كانت ضيقة المساحة نسبيًّا ولا تتيح فرصًا كثيرة للتملك الفردي والأسري. ومع ذلك فثمة فرض آخر أبسط منه وأكثر منطقية وهو أن أهل الفيوم اضطروا إلى الابتعاد بمطاميرهم عن منطقة السكن خوفًا عليها من رطوبتها وانخفاض مستوى أرضها وقربها من شواطئ البحيرة٤، وأنهم تعمدوا جمع مطاميرهم في مكانتين متقاربين لتسهل عليهم حراستها.
_________________
(١) ١ Caton Taompson & Gardner، Op. Cit.، ٤١f. Pl. Xxv، ٢. ٢ Ibid.، Pl. Xxxi، ١. F.، ٤٦f. ٣ Merimde، ١٩٣٣، ٥ F. ٤ Caton-Thompson & Gardner، Op. Cit.، ٩١.
[ ٤٢ ]