خضعت بلاد الشام في تاريخها القديم لإيحاءات بيئتها وخصائص موقعها، شأنها في ذلك شأن غيرها من مواطن الحضارات القديمة. وكان أوضح هذه المظاهر والخصائص تأثيرًا فيها هو وضوح التنوع في تضاريسها وتعاقب الفواصل الجبلية فيها، وتباعد مناطقها الخصبة بعضها عن بعض. فقد ترتب على تنوع تضاريسها كثرة التباين بين ميول أهلها، أهل الجبال، وأهل السواحل، وأهل السهول والوديان، وأهل البوادي والصحاري، وصعوبة اتحادهم في وحدة قومية صريحة خلال الغالبية العظمى من عصورهم القديمة. وأفضى قيام الفواصل الجبلية في بلاد الشام وتباعد مناطقها الخصبة بعضها عن بعض إلى النتيجة نفسها، فتوزعت الوحدات السياسية والاقتصادية في طول البلاد وعرضها على هيئة دويلات صغيرة أسهمت كل منها بدورها المجيد في ركب الحضارة، ولكنها ظلت متفرقة الإمكانيات، محدودة المساحات، محدودة وسائل الهجوم والدفاع، ولم يلتئم شملها في وحدة سياسية كبيرة طوال عصورها القديمة.
[ ١١ ]
وتوسطت بلاد الشام بين حضارة النيل وبين حضارة النهرين، فكانت من أدوات الوصل بينهما واستفادت منهما. وظلت مناطقها الشرقية والشمالية الشرقية أكثر تجاوبًا مع حضارات بلاد النهرين، بينما ظلت مناطقها الساحلية الغربية ومناطقها الجنوبية أكثر تجاوبًا مع حضارة النيل منذ مراحلها العتيقة الأولى. وأفضى هذا إلى نتيجة أخرى، وهي أن مناطق الاحتكاك في بلاد الشام كثيرًا ما غدت ميدانًا للتنافس السياسي بين جارتيها القويتين مصر والعراق. ووقعت أعالي سوريا في الوقت ذاته بين الكتلة السامية في الشرق الأدنى وبين المجموعة الآرية التي تحف بها في آسيا الصغرى وأعالي النهرين، فكانت ميدانًا للاتصال الحضري بينهما واستفادت بذلك منهما، ولكنها بقيت في الوقت نفسه ميدانا للتنافس المسلح بينهما، فشقيت بذلك بهما.
وظلت بوادي الشام من أهم مناطق الجذب والدفع البشريين في الشرق الأدنى، ولم تهدأ الحركة فيهما في أغلب عصورها القديمة. وقد اكتسبت خاصية الجذب نتيجة لتميزها عن صحراوات شبه الجزيرة العربية المتصلة بها في جنوبها، بوفرة عشبها الطبيعي وفرة نسبية وصلاحية بعض واحاتها للإقامة والتكاثر صلاحية نسبية، فترتب على ذلك أن أصبحت منطقة إغراء بالنسبة لقبائل هذه الصحاري كلما ازدادت كثافتهم عن طاقة مواردهم المحدودة، وكلما طالت موجات الجفاف واشتدت على مراعيهم، وكلما مزقت الخلافات الداخلية شمل قبائلهم وبطونهم وأجبرتهم على ترك مواطنهم. واكتسبت هذه البوادي خاصية الدفع، من ناحية أخرى، نتيجة لوقوعها بين منطقتين غنيتين تمتازان عنها من مناطق الهلال الخصيب، وهما ضفاف الفرات شرقًا والسهول المطلقة على سواحل البحر المتوسط غربًا، وذلك مما جعل هاتين المنطقتين مطمحا دائمًا لأهلها، فتسربوا إلى دولهما في تحركات بطيئة صغيرة عديدة خلال عهود تماسكها السياسي وقوتها العسكرية، كما اندفعوا إليها في هجرات كبيرة غالبة في عهود تخلخلها السياسي وضعفها الحربي.
ولم تقم البادية وحدها بعمليتي الجذب والدفع البشريين في تاريخ الشام، وإنما شابهتها في ذلك إلى حد ما بعض المناطق الجبلية الساحلية، مثل مرتفعات لبنان. فقد حفلت هذه المرتفعات بغابات متسعة من أشجار الأرز والصنوبر استغلها السكان في تنشيط الملاحة البحرية وضمنوا بها موردًا تجاريًّا ضخمًا في تعاملهم مع كل من مصر وبلاد النهرين، ولكن غناها النسبي هذا بمواردها الطبيعية جعلها مناطق إغراء في الوقت ذاته لطمع الهجرات والغزوات الهندوآرية ذات الصلة بأمثال الحوريين والميتانيين، الذين اندفعوا عليها على فترات مختلفة عن طريق ثغرة حلب وجنوبي الأناضول، وذلك فضلًا عن إغراء السيطرة الاقتصادية أو السياسية عليها من الدول القوية المحيطة بها.
واكتسبت نفس المناطق المرتفعة خاصية الدفع من جهة أخرى، نتيجة لأن غناها النسبي ليس من شأنه أن يوفر الحياة الرغدة لغير الأعداد المحدودة من السكان، بينما هو يعجز عن توفيرها بكفاية كلما تكاثفت أعدادهم وتضخمت فوق طاقة مواردها الطبيعية، فلا يكون أمام بعضهم حينذاك إذا شاءوا أن يستعيدوا رغد الحياة إلا أن يلتمسوا أسباب الرزق الواسع بالهجرة إلى أرض أخرى تستوعب طموحهم وترضيه.
وامتدت سواحل الشام امتدادًا طويلًا على البحر المتوسط، ومثلت جزءًا كبيرًا من النهاية الغربية لمنطقة غرب آسيا. وأدى هذا الوضع الطبيعي إلى عدة نتائج حيوية، فكان له أثره في ازدهار عدة مواني طبقت
[ ١٢ ]
شهرتها آفاق العالم القديم وأصبحت عصبًا لدويلات مدن مستقلة ثرية. وكان له أثره في توجيه نشاط أهلها وجهة بحرية وتجارية غالبة وقيامهم بدور الوسيط الاقتصادي والثقافي بين المناطق الداخلية في غرب آسيا وبين جزر الحوض الشرقي للبحر المتوسط من ناحية، وبين سواحل إفريقيا الشمالية من ناحية أخرى، كما كان له أثره في تشجيع بعض طوائفهم على الهجرة إلى الخارج عن طريق البحر المفتوح. ثم كان له أثره في استقبالهم هجرات كثيرة وفدت عليهم عن طريق البحر وكانت لها منافعها كما كانت لها أخطارها. وقد أدت هذه العوامل كلها إلى وضوح الاختلاط الجنسي بين أهل السواحل وتزويدهم بنصيب كبير من المهارة التجارية مع المرونة في التعامل وقدرة ملحوظة على التأقلم السريع بخصائص المجتمعات التي عاشروها أو التي اضطرتهم الظروف إلى الانتقال إليها والتماس الإقامة القصيرة أو الإقامة الطويلة فيها.
[ ١٣ ]