اتسعت مجالات العمل الإقليمي في إقليم نقادة وما حولها في عهدها الثاني اتساعًا نسبيًّا، ثم انتشرت تقاليدها الصناعية والفنية بين بعض جيرانها في شمال الوادي وجنوبه حتى بلغت النوبة. واتسعت اتصالات مصر ببلاد الشرق القديم حينذاك اتساعًا نسبيًّا كذلك وأخذت منها وأعطت لها، وتخلفت حتى الآن من شواهد تعاملها معها تعاملًا مباشرًا أو غير مباشر، قطع من السبج "الأوبسديان" الأسود الثمين الذي يحتمل أنه وصلها من الحبشة، وقطع من اللازورد الذي يحتمل أنه وصلها من الحبشة أيضًا أو من أعالي الفرات، وخرزات من السنباذج والفضة والذهب تختلف الآراء فيما إذا كانت معادنها من مصر أو من خارجها، فضلًا عن أدوات صغيرة عثر عليها في ميناء جبيل "ببلوس" بلبنان تشابهت خصائصها مع خصائص الأدوات المصرية، ويمكن أن يفهم منها قيام التبادل، بين مصر وبين بعض مدن الشام في عهد الحضارة النقادية الثانية١.
وتوسع النقاديون في استخدام النحاس في صناعاتهم المحلية، فصنعوا منه ملاعق ومدى وأواني صغيرة وأغطية لبعض القدور وأزاميل ورءوس فئوس وخناجر ورءوس حراب، ونسبت إلى عهدهم رأس فأس نحاسية تزن أكثر من كيلوجرم٢.
وعاد نشاد العهد الجديد على أهله برخاء مناسب ظهر أثره في ثراء مقابر نقادة بعض الشيء عن مقابر العهود السابقة، وظهر أثره في ارتقاء أذواق أهلها وتطور مهاراتهم في الرسم والنقش وصناعة التماثيل الصغيرة وصناعة الأسلحة وبناء المساكن والمقابر، وابتداع وسائل تسلية مهذبة.
_________________
(١) ١ Petrie، Prch. Egypt. ٤١، ٤٣-٤٤: Naqada، ٤٥، ٤٨; Diospolis، Pl. Iv; Scharff، Grundeuge، ٣٦; Wainwright، In Anc. Egypt، ١٩٢٧، ٧٧ F.; H. Kantor، Jnes، ١٩٤٢، ٢٠١ وراجع ألفرد لوكاس: المواد والصناعات عند قدماء المصريين – الفصل الحادي عشر والفصل السادس عشر. ٢ المرجع السابق ص٣٢٧+
[ ٥٠ ]
فلقد ميز أهل نقادة الثانية رسوم أواني الزينة الفخارية بأن زادوا فيها صور الأحياء والنباتات والمراكب، وزخارف حلزونية ومتموجة، وخطوطًا متموجة مفردة ومتشابكة، وملئوا فراغات المثلثات باللون الأحمر عوضًا عن الخطوط البيضاء المتقاطعة التي اعتاد أسلافهم عليها. واستخدموها في أغراض الزخرفة، وفي أغراض أخرى لها صلتها بعقائد الدين وعالم الموتى١.
واستمروا يصورون الرجال والنساء في هيئات تخطيطية مختصرة، ولكنهم أضافوا إليها تجديدات يسيرة مثل تصفيف شعر الأنثى على هيئة مستديرة، والتعبير عن نشاط الرجل في حياته العملية بتقديم إحدى ساقيه عن الأخرى "والساق اليسرى بخاصة"، وذلك على عكس ساق الأنثى المتجاورتين، وتصوير يده اليسرى تقبض على عصا أو قوس أو رمح أو مجذاف٢، ثم صوروا النساء والرجال في مجالات الرقص الديني والدنيوي، وكانت الراقصة ترفع يديها حين الرقص فوق رأسها أو تضع يديها على خاصرتها، أو تضع يدًا على خاصرتها وتتماسك بالأخرى مع زميلها أو زميلتها، وترقص منفردة أو مع رفيقاتها ورفاقها. وترقص بغير أصوات تصاحبها، أو ترقص على أصوات المصفقات التي يصفق بها رجال ونساء، وترقص على الأرض أو ترقص على سطح مركب أو داخل قمرتها٣.
وأخرج الرسام النقادي فيما بقي من صوره الممتعة الناجحة منظرين: منظرًا مثل راعيًا يسوق قطيعًا من الماعز الجبلي رسمه حول مسطح آنية لا يزيد أوسع قطر لها عن ستة سنتيمترات، والتزم في تصوير القطيع خاصية ترتيب المفردات التي التزمها فنان نقادة الأولى، فصور الماعز تسير واحدة منها تلو أخرى على الرغم من سيرها في الطبيعة جنبًا إلى جنبًا أو مختلطة ببعضها في غير نظام٤. ومنظر لكبشين أقرنين واجه كل منهما الآخر في تحفز وفي حيوية ممتعة وقد وقفا معًا فوق ربوة تنبت الأشجار فوقها داخل نطاق الصورة، وصور على معبدة منها عنزة صغيرة فوق خط يمثل الأرضية التي تقف عليها، عوضًا عن رسمها في الفراغ على نحو ما اعتاد أغلب الرسامين في عهده٥. وظهرت في رسوم نقادة إلى جانب حيواناتها الأليفة طيور مائية طويلة العنق طويلة الساقين، وهي طيور النحام أو البشروش، كانت تعيش بوفرة في البحيرات المصرية الشمالية، وغالبًا ما صورت في مجموعات وفي وضع الوقوف وبخطوطها العامة دون تفصيل٦.
وزاد تصوير المراكب على أواني الفخار، ونم ذلك عن زيادة حاجة أهلها إليها وكثرة استخدامهم لها في أغراض السفر في النيل وترعه، وأغراض نقل المنتوجات، فضلًا عن نقل الأفراد ونقل رفات الموتى
_________________
(١) ١ Scharff، Die Altertumer، I، ١٤٣; Baumgartel، Op. Cit.، ٥٩ F. ٢ H. Schaffer، Von Aeg. Kunst، ٢٦٠; Petrie، Arts And Crafts، Fig. ٦٦; Capart، Op. Cit.، Fig. ٨٥; Baumgartel، Op. Cit.، Pl. Ix، ٣-٤، P. ٨١، Fig. ٢٩. ٣ Petrie، Corpus، Pl. Xxxiv، ٤٦ D; Diospolis Parva، Pl Xx، ١١ B; Edgerton، Ajsl، Xxxix Fig. ٨٦; Scharff، Op. Cit.، I، ١٤٢ F.، Vandier، Manuel D’archeologie، I، ٣٥٠ F. ٤ Naville-Peet، The Cemetries Of Abydos، I، Pl. V. ٥ Petrie، Abydos I، ٢٣، Pl. L. ٦ See، L. Keimer، Asae، Xxxiv، ١٩٠ F.
[ ٥١ ]
من ضفة إلى أخرى. وأضاف W.F. Petrie، Ch. Boreux And H. Kantor، أنها بدأت تستخدم منذ ذلك الحين في الملاحة البحرية أيضًا. وظهرت المراكب في صورها بقمرتين أو "كابينين" من سيقان الغاب والنباتات المجدولة كان يفصل بينهما ممر ضيق مكشوف أو مسقوف، وبجريدة نخل طويلة تراوحت أعداد فروعها من واحد إلى خمسة، وهذه كانت تضفي نصيبًا من الزينة المتواضعة على المركب، وتميز بين كل مركب وأخرى، وتضفي الظل على الملاح الذي يجلس تحتها فوق مقعد متواضع صغير. وكان يميز كل مركب منها صار طويل يرفع فوق قمته رمزًا صغيرًا مشكلًا على هيئة حيوان أو طائر أو نبات أو أداة صيد أو أداة حرب أو مظهر بيئي مثل التلال، ويرمز إلى صاحب المركب أو يرمز إلى بلده ومعبودها١.
وبلغت صناعة الأسلحة من الظران ذروة رقيها في عهد نقادة الثاني، وازدادت فيها السكاكين مموجة السطوح ذات الطرف المقوس على هيئة ورق الشجر رقة وجمالًا، وكان بعضها يثبت في مقابض من العاج والخشب، وقد ينقش المقبض بصورة تناسبه ثم يغشى برقائق الذهب٢. واستخدم النقاديون رءوس حراب أو رءوس مزاريق مشرشرة الحواف تنفرج نهايتها في شعبتين على هيئة ذيل السمكة٣. وسايرت الخناجر النحاسية صناعة الخناجر من الظران وسارت في تطورها من القصر والاستعراض إلى الدقة والطول ولكنها ظلت أقل شيوعًا من أسلحة الظران حتى أوائل العصور التاريخية على أقل تقدير.
وما لبثت النقوش النقادية حتى طغت على الرسوم واحتلت مكانتها في إشباع أذواق أهلها وفي التعبير عن أفكارهم وأساطيرهم، وحدث ذلك نتيجة لأمرين، وهما: انصراف أذواق الطوائف الثرية والمتوسطة عن أواني الفخار المرسومة إلى أواني الحجر إيثارًا لمتانتها وبعد أن اكتسب صناعها خبرة وافية فصنعوها بوفرة وإتقان. وأن الأواني الحجرية الجدية لم تكن بحاجة إلى التحلية بالرسم وكانت تكفيها جودة الحجر وجودة الصقل وسلامة الذوق. وقد أبدع صناعها نماذجها الغالية بالفعل، وصنعوها من الأحجار دقيقة الحبيبات ذات التموجات متعددة الألوان، وشكلوها على هيئات أسطوانية وشبه بيضية وشبه كرية، وهيئات تشبيهها هيئات القناني الحالي، وهيئات الحمام والأسماك والسلاحف والفيلة وأفراس النهر والكلاب٤. وربما بما
_________________
(١) ١ Petrie، Preh. Eg.، ١٨-١٩، ٤٩; Corpus، Pls. Xxxiv، ٤٦ D;Xxxvii، ٧٧; Diospolis، Pl. Xx، ١٣٣; Naqada، Pl. Xlii، ١٤; Ch. Boreoux، “Etude De Nautique Egyptienne”، Bifao،L. ١٧، ٢٠ F. J. Vandier، Op. Cit.، I. ٣٤٠-٣٤١. And. See، Andre Servin، Asae، Xlviii، ٥٥ F. ٢ M.C. Currelly، Stone Implements، Pls. Xlv-Xlvii; Petrie، Preh. Eg.، Pl. Xlviii، ٣-٤; Naqada، P. ٥٧ F.; Diospolis، ٢٣ F.; Capart، Les Debuts، ٦٦-٦٧، Fig. ٣٢. ٣ M.C. Currelly، Op. Cit.، Pls. Lix-Lx; Petrie، Preh. Eg.، ٢٥; Naqada Pl. Lxxiii، ٦١، ٦٢; Massoulard، Rev. D’eg.، Ii، ١٣٥ F. ٤ Petrie، Preh، Eg. Pls. Xxxiv-Xlii; Capart، Les Debuts، ٩٢ F.، Figs. ٦٧-٧٠; Glanville، Jea، Xii، Pls. Xii-Xiii.
[ ٥٢ ]
يشبه هيئة الجمل البارك أيضًا وإن لم يخل هذا الشكل الأخير من الشك١.
وكان لا بد لوسائل التعبير التصويرية أن تتلمس سبيلًا آخر غير سطوح الفخار وسطوح الأواني الحجرية، وقد وجد أصحابها مسطحات تناسبها على سطوح أمشاط عريضة فاخرة من العاج كانوا يزخرفون بعض رءوسها على هيئات الطيور والحيوانات ووجه الإنسان، وعلى سطوح مقابض عاجية صغيرة كانوا يثبتوت خناجرهم فيها، وعلى سطوح الصلايات الأردوازية الرقيقة، وعلى سطوح رءوس مقاطع القتال الكبيرة الفاخرة.
وعبر مهرة الفنانين عن كفايتهم في النقش على هذه السطوح، فنقس أحدهم ٢١٨ صورة دقيقة لحيوانات مختلفة في صفوف أفقية على مقبض سكين لا يتعدى عرضه سنتيمترات قليلة٢. ونقش آخر صورة فيل يطأ ثعبانًا ضخمًا ضمن مجموعة من الحيوانات، فأظهر تفاصيل جسده في دقة بالغة وحيوية فياضة على الرغم من صغر مساحة السطح الذي نقش صورته عليه٣. ومن أمتع ما نقشه الفنان النقادي على سطوح الصلايات صورة ظبيين متقابلين يتناجيان، صورهما في حيوية فريدة وخطوط متمكنة بسيطة٤. ثم صورة صائد يتعقب ثلاث نعامات، وقد تقنع بقناع يشبه رأس النعام ليضللها أو يطمئنها، وأمسك عصا بيسراه وسارت النعامات أمامه في غير خوف وكأنه يرعاها. وصور صانع هذه الصلاية أشكاله في غير تفصيل كبير ولا إتقان كبير، ولكنه أزال طبقة من الأرضيات التي تتخللها فبدت هيئاتها ممتلئة بارزة واضحة، وطعم عيونها بأصداف صغيرة، وشكل حافة الصلاية فوقها على هيئة طائر عظيم مرتفع الجناح واضح الريش وطعم عينيه وريشه بأصداف صغيرة أخرى٥.
واستمر الفنانون يعتبرون عالم الحيوانات والنباتات مجالًا خصبًا للتعبير عن أفكار عصرهم وأحداثه وخيلاته وأذواقه. فكرروا نقش صور النخيل والظراف على الصلايات٦، وتفننوا في تصوير آكلات اللحوم بشراستها وبطشها، وتصوير آكلات العشب في مرحها وفي حالات فزعها وضعف حيلتها٧. ثم أضافوا
_________________
(١) ١ لم يستخدم المصريون الإبل إلا في أواخر عصورهم القديمة، وربما في أوائل العصور البطلمية، ولكنهم كانوا على معرفة بهيئاتها لاحتكاكهم بجيرانهم البدو، ووجدت الآنية المشار إليها في أبو صير الملق، وصعنت من الحجري الجيري، ويرى شارف أن صانعها قلد بها هيئة الجمل عن نموذج سوري " Abusir، Taf. Xxiv،٢٠٩" ولكن جلانفيل لاحظ أن هيئة الجمل لم تظهر في الفن السوري إلا في القرن الحادي عشر ق. م، أي عبد العهد النقادي بآلاف السنين " Op.Cit" ولهذا يصعب تخمين الأصل الذي استوحاه المصري. ووجدت رأس من الفخار الملون في المعادي تشبه رأس الجمل إلى حد ما " Maadi، Pl. Xx، ٢-٣" وجمع شارف ١٤ حالة لتمثيل هيئة الجمل في الفن المصري القديم، وأرجع إحداها إلى عصر الأسرة السادسة، وثلاثة على الدولة الحديثة، وأرجع بقيتها إلى العصور المتأخرة " Cp. Cit.، ٤٠-٤١"، وأضاف فاندييه إليها مثلًا آخر من عصر الأسرة الثانية عشرة " Cp. Cit.، ٣١٤، N. ٣". ٢ G. Benedite، Jea، V، Pl. Xxxiv. ٣ Ibid.، P. ٣ F.، Pl، I، Also Pl. Xxxiii. ٤ Petrie، Preh. Egypt، Pl. Xliii، ٢. ٥ W.M. Cormpton، Jea، V، ٥٧ F.، Pl. Viii. ٦ Benedite In Monuments Piot، Pl. Xi; Scharff، Altertumer، Ii، ٧٤ F.، ٧٦، Abb. Xxii، ٥٤، ١٠٧. ٧ Legge، “The Carved Slates”، P.S.B.A.، Xxii، Pl. Iii; Benedite، Op. Cit.، Figs. ٣-٤، Pl. Xi.
[ ٥٣ ]
إليها من بنات أفكارهم كائنات خرافية توهموها تغشى الفيافي الواسعة المحيطة بواديهم، وتخيلوها بحسوم الأسود والفهود وأعناق الزراف والثعابين وأجنحة العقبان، وتخيلوا منها كائنات مخيفة تروع حيوانات بيئاتهم، وكائنات أخرى حارسة أحاطوا بصورها إطارات الموضوعات التي نقشوها على صلاياتهم. وظلت أكثر الخطوط والصور شيوعًا في لوحاتهم هي تصوير حيوانين خرافيين حول بؤرة الصلاية يحيطانها بعنقيهما الطويلتين وتنعقد رأساهما فوقها، أو تصوير حيوانين حول إطاري الصلاية بحيث يطلان برأسيهما فوق حافتيها وكأنهما يحميان مناظرها١.
وكان من الطبيعي أن يساير رقي النقاديين النسبي في الصناعة والفن رقي آخر نسبي في بناء مساكنهم وحفر مقابرهم، وفي وسائل التسلية في مجتمعهم. فقد عثر في قبر بالمحاسنة على نموذج صغير من الصلصال الجاف لمسكن مستطيل الشكل مبني من اللبن٢، يذهب الرأي إلى أن بعديه الحقيقيين كانا ٨ أمتار طولًا ٥.٧٠ من الأمتار عرضًا. وكانت واجهته مائلة الجوانب يزداد اتساعها في أسفلها عن اتساعها في أعلاها لمساعدة رصات اللبن على الثبات وتخفيف الضغط العلوي عليها. وتوسطها مدخل ضيق صنع قائماه الجانبيان وعتبه العلوي من الخشب وظهرت له شراعة علوية لإدخال الضوء، ثبتت تحتها طيلة أسطوانية من الخشب كان أصحاب المسكن يلفون عليها حصيرًا يجذبونه إلى أسفل ليستر المدخل وليقوم فيه مقام الباب. وتوسطت الجزء العلوي من الواجهة الخلفية للمسكن نافذتان ضيقتان دعمت كل منهما بعارضة سفلية وعارضة علوية من الخشب. وكان داخل المسكن عبارة عن فناء وبضع حجرات جانبية، وربما قامت في حجراته أعمدة خشبية متواضعة للمساعدة في حمل السقوف المسطحة. وكان تشييد المساكن من قوالب اللبن المنتظمة الشكل مرحلة تقدمية في فن البناء، وظلت هي المادة المفضلة للمساكن العادية خلال العصور التاريخية، لرخص تكاليفها وتوافر موادها الأولية وصلاحيتها للبيئة الحارة.
واستمرت المساكن المسدية من البوص وفروع الأشجار تخدم أغراضها إلى جانب البيوت من اللبن ولكنها لم تقتصر على أشكالها المتواضعة القديمة وإنما ظهرت معها مساكن مربعة المساحة مرتفعة مسطحة السقوف صورت نقوش مقبض سكين فاخرة واحدًا منها، فظهر بثلاث مداخل، وتداخلت في تكوين واجهته ألياف البردي مع سيقان الغاب طولًا وعرضًا على هيئة نسيج الحصير، وبرزت الأطراف العليا لسيقان الغاب عمودية فوق الواجهة بشكل لطيف٣.
ونسب فلندرز بترى إلى أهل نقادة صورًا طريفة من الرقي الفكري قد لا يبرأ بعضها من الشك والنقد فهو يعتقد على سبيل المثال أن العلامات التي خطوها على أوانيهم الفخارية لترمز إلى أصحابها أو صانعيها،
_________________
(١) ١ Legge، Op. Cit.، I، Iii.- وقد تظهر أربعة حيوانات على حافتي الجانبين بحيث يتدابر كل اثنين منها ويطلان على قمة الصلاية وقاعدتها " Be'ne'dite، Op. Cit.، Pl. Xi."، أو بقيع حيوان فوق الصلاية كأنه يحميها " Capart، Les Debuts ، F G. ١٥٧. ٢ عثر عليه في مقبرة يحتمل ردها إلى ما بين المرحلتين ٤٤، ٦٤ من التوقيت المتتابع، ولم يعثر فيها على عظام أصحابها. El-Amrah، ٢٢، ٤٢، Pl. X، ١-٢. ٣ W.C. Hayes، The Scepter Of Egypt، New York، ١٩٥٣، Fig. ٢١.
[ ٥٤ ]
لم تكن مجرد رموز عشوائية، وإنما كانت علامات كتابية تخطيطية بدأت شخصية ثم شاع بعضها وأصبح أداة خطية من أدوات التفاهم بين الناس. وظهرت٣٠ علامة من هذه العلامات فيما يرى بترى، خلال عهد نقادة الأول، ثم اختفت ست منها في عهد نقادة الثاني وحلت محلها ١٤ علامة جديدة. وعلى حين استخدم بعض أهل نقادة هذه العلامات التخطيطية في تفاهمهم الكتابي، اتجه بعضهم الآخر إلى التعبير عن أغراضه برسوم تصويرية مثل صورة الشمس وهيئة الذراعين المرفوعتين إلى أعلى وهيئة التلال الثلاثة المتجاورة، واستمرت صورهم الكتابية هذه في طريقها حتى طغت على العلامات التخطيطية وأصحبت أكثر قبولًا عنها وأكثر شيوعًا منها، ثم جدت عليها علامات هجائية قليلة منذ أواخر حضارة نقادة الثانية، وورثتهما العصور التاريخية فيما ورثته من تراث العصور السابقة لها. وأضاف بترى أن العلامات التخطيطية لم تختف تمامًا على الرغم من انزوائها، وإنما اقتصر استعمالها على بعض الطبقات العادية وبلغ عددها خلال عصر الأسرة الأولى ٥٣ علامة، واستمرت في هذه الطبقات فيما يعتقد حتى الدولة الوسطى على أقل تقدير، وظهرت معها في تخطيطات عصر الأسرة الثانية عشرة ثلاث علامات جديدة، وكتب بها رجال المناجم في شبه جزيرة سيناء ثم فارقت هذه العلامات موطنها المصري، واحتضنها الكنعانيون الذين تعلموها شيئًا فشيئًا من نصوص سيناء وتعلموا معها النظرية المصرية في استخدام شكل معين للتعبير عن أول حرف هجائي من اسمه، ثم خرجوا مما تعلموه باثنتين وعشرين علامة هجائية كتبوا بها نصوصهم وتعلمها عنهم أهل جنوب شبه الجزيرة العربية، كما اقتبس بعضها منهم قدماء الإغريق وزودوا بها كتابتهم المقطعية القديمة١.
وكشفت حفائر المحاسنة عن لوحة من الطين استخدمها صاحبها للعب الدامة "أو السيجة". وقسم سطحها إلى ثلاثة صفوف، وقسم كل صف إلى ستة مربعات، ووضعها فوق قوائم طينية منفصلة٢. وأضاف بترى إلى هذه الوسيلة المتواضعة للتسلية، قوائم مستطيلة صغيرة وجدها في المقابر وصنعها أصحابها من الكوارتز والألباستر والسماق والعقيق الأحمر والحجر الجيري، وعددًا من الكرات الحجرية الصغيرة "تشبه البلي" وقطعًا حجرية صغيرة شكلت على هيئة الأواني المصمتة "وتشبه قطع الشطرنج"، واعتبرها جميعها تؤلف لعبة راقية تنصب فيها ثلاثة قوائم على هيئة البوابة وترص القطع الصغيرة التي تشبه الأواني وراءها، ثم يرمي اللاعب بالكرات من أمام البوابة الصغيرة ليسقط عددًا من الأواني في المرة الواحدة٣. ولا تخلو هذه الصورة التي رسمها بترى لأذواق أهل نقادة ووسائل تسليتهم من شك كبير، لولا أن يبدو أنه ما من سبيل لتخمين الغرض منها على غير النحو الذي تخيله لها.
وتنوعت أساليب مقابر نقادة الثانية كما تنوعت أساليب بيوتها. فظلت المقابر العادية على حالها القديم لا تعدو حفرة العمق بيضية أو دائرية أو شبه مستطيلة. بينما سلك التطور سبيلًا آخر في المقابر الثرية.
_________________
(١) ١ Sec، Petric، The Wisdom Of Egyptions، London، ١٩٤٠، ٤lf.; Also، J. Capait، Les Debuts ١٣٥ F.; A. H. Gardiner، Jea، Iii، I F. Cowely، Jea، Iii، ١٧ F. ٢ El – Mahasma، Pl. Xviii، ١. ٣ Petrie. Preh. Eg.، ٣٢; Ballas، Pl. Viii، P. ١٤، ١٩، ٢٠.
[ ٥٥ ]
نوعًا والمتأخرة في الزمن نوعًا، واتجه أكثر ما اتجه نحو تحديد جوانب حفرة المقبرة وتقويتها. واتبع أصحاب المقابر في سبيل تنفيذ هذا الغرض وسائل كثيرة كانت منها تكسية جدرانها الداخلية بطمي سميك ثم بالبوص أو الحصير، أو تكسيتها بألواح خشبية. وتتابعت الخطوات بعد ذلك لتدعيم جوانب الحفرة عن طريق تحديدها من الداخل بجواليص الطين أو قوالب اللبن ثم كساء الجدران نفسها بألواح خشبية أحيانًا١. وأفضت هذه الخطوات إلى تحويل الحفرة إلى حجرات. ثم عاد النقادون الأواخر فاستحبوا تقسيم الحجرة المبنية بقوالب اللبن تحت سطح الأرض إلى حجرات، وبدءوا تقسيمها قبيل بداية العصور التاريخية حجرتين: حجرة كبيرة للجثة وحاجياتها الثمينة، وأخرى صغيرة للأواني العادية٢. وانتقلوا من ذلك إلى تقسيم الحجرة الصغيرة نفسها إلى حجرتين، فأصبحت حجرات المقبرة ثلاثًا٣.
_________________
(١) ١ See، Abuser، Pl. ٣ C.; El- Mahasna، Pl. Ix; Pls. Viii، ٤٢، Ix، ٤٦، ٤٧; Burunton، Motamar، Lonodon، ١٩٤٨، ١٧. ٢ Al-Amrah، Pls. Iii، ٢، ٤، Iv، ٦. ٣ Lbid.، Iv، ٧.- وعثر في أبو صير الملق على حفر متأخرة مستطيلة قسمت بقواطع عرضية من اللبن والخشب إلى أربع حجرات أو خمس ولم يعثر فيها على عظام موتى، ويحتمل أنها كانت أضرحة رمزية. Abusir، Pl. V، And See، Vandier، Op. Cit.، ٢٥٦.
[ ٥٦ ]