وجدت آثار النشاط البشري خلال الدهور الحجرية الثلاثة القديمة وافرة في أغلب بقاع الشرق الأدنى القديم. فتفرقت في مصر، على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، في مناطق العباسية والجبل الأحمر وجبل المقطم ودهشور وسقارة وسفوح مرتفعات الأقصر وقرب أسوان، وفي الطرق المؤدية إلى الواحات، خلال الدهرين الحجري القديم الأسفل والحجري القديم الأوسط. كما وجدت على أطراف الدلتا، وحول وديان وعيون كان لا يزال يجري بها نذر من الماء كعيون حلوان، ووادي الطميلات، ووادي العنجبية، وفي الجيزة، والفيوم، وحوض كوم أمبو، وقرية السبيل، والواحة الخارجة، خلال الدهر الحجري القديم الأعلى١.
وتوزعت آثار الدهور نفسها في بلاد النهرين في مناطقها الشمالية أكثر من مناطقها الجنوبية التي غطت الرواسب الطبيعية الكثيفة على آثارها، إن كانت بها آثار. فوجدت نماذجها في الشمال على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر أيضًا، في كهف بردايلكا قرب جمجمال خلال الدهر الحجري القديم الأسفل أو الأوسط، وفيما بين كهف شانيدار وبالي جاورا خلال الدهر الحجري القديم الأوسط أيضًا. ووجدت غيرها في مثل كهف هزارمرد وكهف زرزى، في أواخر الدهر القديم الأوسط وخلال الدهر الحجري القديم الأعلى٢.
ووجدت أمثالها في الشام في كهوف عدلون ومنطقتي نهر إبراهيم ونهر الكلب وفي رأس الشمرا، في الشمال، وفي جبل الكرمل وأم قطفة والزطية وقرب مجرى نهر الأردن في الجنوب، خلال الدهرين القديم الأسفل والقديم الأوسط. ثم وجدت غيرها في كهوف أنطلياس، ونهر الكلب، ومغارة الأميرة قرب بحيرة طبرية خلال الدهر الحجري القديم الأعلى٣.
_________________
(١) ١ A. Huzayyin، The Place Of Egypt In Prehistory، ١٩٤١; E. Massoulard، Op. Cit. ٢ R.J. Braidwood، Prehistoric Man; H.E. Wright، Basor، ١٩٥٢، ١١f. مجلة سومر ١٩٥١ – وانظر طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة – ج١ ص٢٩. ٣ G. Zumoffen، In Anthropos، Iii، ٤٣١ F.; D.A.E. Darrod And Others، The Stone Age Of Mountain Carmal، ١٩٣٧; Th. D. Mc. Cown And A. Keith، The Stone Age، ١٩٣٩; W.F. Albright، From The Stone Age، ١٩٤٦; The Archaeology Of Palestine، ١٩٦١، Ch. ٣; D.R.، Hughes-Brothwell، “The Earliest Populations Of Man In Europe، Western Asia And Northern Africa”، C.A.H.، Vol. I، Part I، ١٥٦f. وانظر فيليب حتى: تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين – ص٩؛ لبنان في التاريخ ص٥٣+
[ ٢٢ ]
ولا تزال شبه الجزيرة العربية أقل حظًّا من غيرها في نتائج البحوث الأثرية لأدوات الدهور الحجرية القديمة. ولو أنه يلاحظ من جهة أخرى أن ما عثر عليه من أدوات الدهر الحجري القديم الأسفل في جنوب الأردن قد يعني أن هذه المنطقة وما يتصل بها من شمال شبه الجزيرة العربية معها على أقل تقدير، كانا صالحين للنشاط البشري منذ أواخر الدهر الحجري القديم الأسفل. كما أنه ليس من المستبعد أن الأودية الجافة الكبيرة التي لا تزال تقطع شمال الجزيرة ويجري بعضها ناحية البحر الأحمر، بينما يجري بعضها الآخر ناحية الخليج العربي، قد شقتها أمطار كثيفة خلال فترات مطيرة طويلة ساعدت على قيام النشاط البشري في شبه الجزيرة خلال الدهر الحجري القديم الأسفل أو الدهر الحجري القديم الأوسط١.
أما عن أدوات الدهر الحجري القديم الأعلى فيها، فقد عثر عليها في الشمال، وفي مناطق الأحساء والعروض تحت مستوى سطح الأرض الحالي، وكذلك في حضرموت ومناطق متفرقة من اليمن. أي أنها وجدت في كل من شرق شبه الجزيرة وجنوبها وجنوبها الغربي. وذهب بعض الباحثين إلى أن بعض الأدوات الحجرية البركانية التي عثر عليها في الأحساء والعروض، كان أصحابها يجلبون أحجارها البركانية من المناطق الغربية لشبه الجزيرة نظرًا لعدم توافرها في بيئتهم. وقد يصعب تأييد هذا الرأي نظرًا لاتساع الشقة بين شرق شبه الجزيرة وغربها، مع تفاهة الأدوات نفسها وبطء الإنسان القديم، ولكنه إذا صح احتمالًا أمكن أن ترتب عليه بداية قيام الاتصالات وتبادل المنافع بين أجزاء شبه الجزيرة منذ ذلك الحين، على أن تفترض أن هذه الاتصالات كانت تجري بطرق غير مباشرة، إذ أنه من الصعب أن نتصور رجالًا يرحلون من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب من أجل أحجار صغار يمكن أن تحل محلها إلى حد ما أحجار بيئتهم.
وذهب نفس الرأي إلى ما هو أبعد من ذلك، فرجح تبادل التأثير الحضاري بين مناطق جنوب شبه الجزيرة وبين المناطق التي تقابلها على سواحل إفريقيا الشرقية٢. وقد يكون هذا التأثير المتبادل صحيحا، غير أنه ينبغي أن نضيف إليه أن تحديد زمن أدوات الدهر الحجري القديم الأعلى في شبه الجزيرة، وشرق إفريقيا، بالنسبة لتطور الصناعات الحجرية في المناطق الخصيبة من الشرق الأدنى أمر غير يسير. فهي قد تعاصر أدوات الدهر الحجري القديم الأعلى في مصر وبلاد النهرين والشام فعلا، أو تتأخر عنها بعصور طويلة وهذا هو المرجح نظرًا لاتساع خطى التطور وسرعتها في وديان الأنهار الكبيرة عنها في شبه الجزيرة، مع احتمال بقاء أدوات الدهور الحجرية في شبه الجزيرة لأزمان متأخرة نوعا.
_________________
(١) ١ Caetani، Op. Cit.، I، ٦٤f.; Ii، ٥٣f.; A. Musil، Northern Negd، ١٩٢٨. ٢ G. Caton-Thompson And E.W. Gardner، “Climate Irrigation And Early Man In The Hadramout”، Geog. J.، ٩٣ “١٩٣٩” ١٨f،; S. Huzayyin، Nature، Sep. ١٨، “٥١٣”; Arabia And The Far East، ١٩٤٢، ٣٦; A.H. Masry، Prehistory In North-Eastern Arabia، ١٩٧٤.
[ ٢٣ ]