ثانيًا: الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة ١٩٩١ - ١٧٧٨ق. م
يعتبر عصر الأسرة الثانية عشرة أزهى عصور الدولة الوسطى في نواحي نشاطه الداخلية والخارجية، وقد بدأ الحكم فيه بفرعون ذكرته نصوص عهده باسم أمنمحات "سحتب إب رع"، وعرفته كتب التاريخ باسم أمنمحات الأول، وسوف نجري فيما بعد على استعمال الاسم الأخير نظرًا لشيوعه، وقد خرج أهل الدعاية في عهده بقصة اشتهرت اصطلاحًا باسم تنبوءات نفررحو "أو تنبوءات نفرتي"، واستهدف دعاة أمنمحات من قصتهم هذه أن يظهروا فرعونهم الجديد لأفراد شعبه في هيئة المنقذ المنتظر، وأن يوهموهم بأن العناية الإلهية قد تخيرته منذ الأزل، وأن المتنبئين بشروا به منذ عهد سنفرو، أي قبل مولده بقرون طويلة. وسوف نعرض لهذه القصة في حديثنا عن الأدب، وتتلخص في أنها جعلت حكيمها نفررحو يصور للفرعون سنفرو أيامًا يتوقعها في عالم الغيب، يهلك فيها الحرث والنسل ويشيع الفساد، ويظل أمرها كذلك حتى ترسل العناية الإلهية ملكًا من أهل الجنوب يدعى "أميني" يولد لسيدة من إقليم تاستي، فيصلح الحال ويسعد به أهل عصره. وكان اسم أميني الذي بشرت النبوءة به هو الاسم المختصر لاسم أمنمحات في الدولة الوسطى١. ثم لجأ أمنمحات إلى التبشير لحكمه وعهده بين شعبه بطريقة أخرى، فاستخدم لنفسه لقب "وحم مسوت" ٢، وهو لقب يعني معنى معيد النهضة "إلى جانب معان حرفية أخرى مثل تكرار المواليد".
واعتمادًا على هذه الدعايات اعتبر بعض المؤرخين المحدثين أمنمحات مغتصبًا للعرش من الأسرة السابقة له، وأضافوا أنه قد يكون بنفسه الوزير أمنمحات الذي خرج في عهد مونتوحوتب "نب تاوي رع" بعشرة آلاف حندي، وأنه قد استغلهم في الإطاحة بملكه والاستيلاء على عرشه، وأن أمه كانت نوبية من إقليم تاستي الجنوبي الذي ذكرته النبوءة، وأنه يزكي أصله الجنوبي ظهور غلظ الشفاة وسعة الأنوف وبروز الوجنات في تماثيله وتماثيل أفراد أسرته٣.
ونترك للجزء الثاني من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها تفنيد هذه الآراء ومناقشة حجج أصحابها، في تفصيل، وحسبنا منه هنا أن إقليم تاستي الذي اعتبروه نوبيًّا خالصًا، كان يشتمل كذلك على المنطقة التي تمتد بين أسوان وبين إدفو، فهو إذن من أقصى الصعيد أيضًا وليس من النوبة كله. وليست ملامح النوبيين في حد ذاتها بالملامح الغليظة التي صوروها، وإنما هي ملامح لا تخلو من رقة وبساطة على الرغم من سمرتها. ولم تظهر الملامح الغليظة في غير تماثيل أحد أحفاد أمنمحات "وهو سنوسرت الثالث"، مع ملاحظة أن
_________________
(١) ١ H. Gauthier. L.R.، I، ٢٦٥، ٢٨٣، And See، Breasted، Ancient Records، I، P. ٢٥١، N، A. ٢ Gauthier، Op. Cit. ٢٦٨، And See، Gardmer، Egypt، Egypt Of The Pharaohs، ١٢٧. ٣ بدأت بهذه الآراء مراجع إفرنجية ثم رددتها عنها كتب عربية مثل "مصر الفرعونية" الدكتور أحمد فخري، وهذه تؤجل تفنيد آرائها لموضع آخر.
[ ١٦٩ ]
تنوع الملامح بين أفراد الأسرة الواحدة ليس بالأمر الغريب بين المصريين وغير المصريين، ثم إن أمنمحات الوزير لو أراد أن يستخدم العشرة آلاف جندي في الثورة على ملكه لما مجده أمام نفس الجنود في نصوص حتى أوشك أن يرتفع به أمامهم إلى مصاف الآلهة. كما أن بعض خلفائه من ملوك أسرته قد جروا على سنته في تمجيد ذكرى ملوك الأسرة الحادية عشرة السابقة عليهم، وفي هذا ما ينفي أن رأسهم قد اغتصب الملك منها.
وبناء على هذه القرائن وغيرها مما يرد تفصيله وأدلته في كتابنا آنف الذكر، يبدو أن أمنمحات كان من أقرباء الأسرة الحادية عشرة السابقة له أو من أصهارها، وأنه لم يعتل العرش اغتصابًا من ورثتها، وإنما اعتلاه بعد أن عجزوا عن الاحتفاظ به، وبعد أن مرت البلاد بفترة عز عليها فيها الاستقرار والحكم الصالح.
[ ١٧٠ ]