الفصل السادس: عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى من أواخر القرن ٢٣ق. م إلى أواسط القرن ٢١ق. م"
نهاية دورة:
ورث ببي الثاني العرش طفلًا، فسانده اثنان، أمه وخاله، ويحتمل أن يكون قد حكم أكثر من تسعين عامًا وهي أطول مدة حكمها ملك مصري قديم. وقد سارت أمور البلاد في أوائلها على النهج العادي الذي سارت عليه في عهود أسلافه، وذلك من حيث النشاط الداخلي والخارجي ومن حيث الثراء الملكي من جهة، ثم من حيث ازدياد سلطات حكام الأقاليم واتساع ثرواتهم وثروات رجال البلاط من جهة أخرى، وميلهم جميعًا إلى التحرر في العادات وسبل الحياة، ويحتمل كما يعتقد شتوك أنه أصبح لمصر في عهد ببي وزيران، وزير للصعيد وآخر للوجه البحري.
ولم يخل ازدياد سلطان حكام الأقاليم وازدياد ثرائهم من الدلالة على مظاهر الضعف في الحكم المركزي، فهذا السلطان وإن أدى إلى إبراز شخصياتهم وفردياتهم إلى جانب شخصية فرعونهم وأدى على استفادة الأقاليم بمجهودات المصلحين منهم، وهو أمر محمود، إلى أنه لم يكن خيرًا كله، فقد كان من شأنه لو زاد عن حده أن يجرأهم على أن يختطوا لأنفسهم سياسة ضيقة ينشغلون فيها بأنفسهم وبتوطيد سلطانهم في أقاليمهم، ولو أدى ذلك إلى الانصراف قليلًا أو كثيرًا عن رعاية مصلحة الدولة في مجموعها والصالح العام ككل، وعن مراعاة حقوق الحكومة المركزية في العاصمة. ولم يكن من المنتظر أن يظل كل الحكام على سواء في عدالة الحكم ورعاية شئون الأقاليم، ما داموا بمأمن من رقابة الحكومة المركزية وعقابها، وكان من منطق الحوادث أن تستأثر بعض أسرهم بخيرات أقاليمها دون الغالبية العظمى من أهل هذه الأقاليم. ومعنى ذلك كله أنه كان لازدياد سلطان حكام الأقاليم وجهان، وجه طيب ووجه سيئ، ولم يكن هناك مجال للخوف من وجهه السيئ ما دامت الحكومة المركزية في العاصمة قوية تعمل لصالح الدولة ككل وترعى شئونها، وما دام الحكام يعرفون واجباتهم نحوها ويدينون بالطاعة لها، وقد استمر الحال كذلك خلال العهود الأولى من حكم الأسرة السادسة، ثم تبدل حال الحكومة المركزية وحال حكام أقاليمها في عهودها الأخيرة، وتضخمت العيوب بوجه خاص منذ أواخر عهد ببي الثاني حين طال حكمه واستبدت به شيخوخته فدب الضعف في حكومته وقلت هيبتها وبدأ الزمام ينفلت من يدها. وكان أغلب حكام الأقاليم قد مضوا في طريقهم، فزاد استمساكهم بتوريث مناصبهم لأبنائهم واعتبروه حقًّا مكتسبًا لهم وليس مجرد منحة من ملوكهم. وجعلوا منصب والي الجنوب الذي ابتدعته الحكومة المركزية للإشراف على مصالحها في الصعيد والإشراف على
[ ١٤٤ ]
سياسة حكامه منصبًا غير ذي موضوع بعد أن انتحله نفر منهم لأنفسهم في وقت واحد. ومنع بعض حكام الصعيد القصي عن حكومة الدولة نصيبها من موارد أقاليم، فأصبحت شبه عاجزة عن تنفيذ أوامرها وممارسة تبعاتها وحقوقها، وأخذت ظواهر السخط تتجمع ضدها، واستعدت بعض طوائف الشعب للثورة عليها وعلى أوضاع الحياة كلها، لا سيما بعد أن عاث الجنود المرتزقة الذين استعانت بهم في جيشها فسادًا في الأرض دون خشية منها. ولم يتأت الخطر على الدولة حينذاك من الظروف الداخلية وحدها، وإنما دهمها كذلك من خارج حدودها، فتجددت أخطار الهجرات الأمورية بعد أن كانت قد خفت حدتها وانكسرت شرتها مؤقتًا على يدي ونى وجيشه، وتجرأ بدو سيناء وبدو فلسطين على حدود الدولة وهددوا أمن سبل تجارتها مع بقية بلاد الشام، وحرموها بذلك كثيرًا من دخول التجارة وضرائبها، ثم تسرب بعضهم إلى أراضي الدلتا وقراها وحاولوا الاستقرار فيها، وعجزت الحكومة القائمة عن تأديبهم وإلزامهم حدود الطاعة لها.
[ ١٤٥ ]