صحب التطور الحضاري في فجر التاريخ بشقيه، العصر النيوليثي والعصر الخالكوليثي، اتجاه إلى تكوين المجتمعات القروية ثم بداية التطور نحو المجتمعات المدنية. وقد مر بنا كيف دعت حياة الزراعة أصحابها إلى الاستقرار بالقرب من زراعاتهم لرعايتها وحمايتها، وإلى التعاون في سبيل استصلاح الأرض واستغلالها، ثم في سبيل دفع أخطار الفيضانات وتيسير الانتفاع بمائها، كما دعتهم إلى التقارب والتماس الأمن للفرد وأسرته وملكيته وسط الجماعة وفي حماية المجموع. وأدت هذه العوامل إلى تجمع سكان المناطق الزراعية في قرى صغيرة كانوا ينشئونها على مناطق الحواف، أي الحواف الزراعية والحواف الصحراوية، أو المناطق المرتفعة بعض الشيء عن مناطق الزراعة المنخفضة؛ بغية الابتعاد عن رطوبة أرضها، وبغية توفير مساحاتها للإنتاج الزراعي بقدر الإمكان. وكان المادة الميسرة في إنشاء مساكن القرى الزراعية هي الطين، الذي بدأ استخدامه في البناء على هيئة الجواليص، أي الكتل غير منتظمة الشكل، ثم تطور إلى هيئة قوالب اللبن المستطيلة المنتظمة الشكل مع تدعيم الطين فيها بالحشائش الجافة والمواد العضوية حتى يزداد تماسكه، ومع تدعيم أساسات المساكن نفسها بقطع الدبش الغفل، ونشأت أمثال هذه القرى في بداية أمرها متواضعة
[ ٢٩ ]
متفرقة متباعدة، ولكن لم يكن من منطق الأشياء أن تظل على التفرق طويلًا أو تستقل كل منها دائمًا عن الأخرى، وإنما كانت عرضة لأن تستجيب من حين إلى آخر إلى دواعي التقارب والتضام بعضها من بعض، وهذه الدواعي قد تكون دواعي سليمة كاتصال المصالح التجارية وصلات النسب، والاشتراك في الديانة، والتحالف من أجل تحقيق منفعة أو دفع خطر عدو مشترك. أو تكون دواعي قسرية تتأتى من سعي بعض القرى القوية إلى بسط نفوذها على القرى الضعيفة القريبة منها وضمها تحت رايتها عن طريق القسر والغلبة. وكانت كل من الطريقتين تؤدي في العادة إلى تميز قرية معينة ضمن كل مجموعة من القرى، سواء بميزات الموقع الطبيعي والرخاء النسبي ووفرة الإنتاج واتساع المساحة، أو بميزات الكثرة العددية وشدة البأس. ومثل هذه القرية القوية بأهلها وبرئيسها وبإنتاجها وبموقعها غالبًا ما كانت تتحول إلى بلدة عامرة محصنة بأسوارها، ومتميزة بأسواقها وصناعها، أي إلى مدينة أولية، وهنا قد يصحب الرقي المادي في هذه المدينة رقي فكري نسبي يماثله، ثم يؤدي هذا الرقي الفكري إلى تنظيم سياسي معين أو إلى تحقيق زعامة دينية أو ما أشبه ذلك مما تختلف به كل بلدة عن أخرى. وهذا التمايز فيما بين بلدان فجر التاريخ في الشرق الأدنى القديم، المتعاصرة مع بعضها البعض، أو المتتابعة بعد بضعها البعض، سوف نؤجل بحثه لحين بحث التطور التاريخي والحضري لكل شعب من شعوب الشرق القديم على حدة في الفصول التالية.
وإذا كان لا بد من عودة إلى شبه الجزيرة العربية وأحوالها فيما يعاصر حضارات عصر بداية المعادن في المناطق المحيطة بها، فإن كل ما يمكن تقديمه بشأنها أمرين، وهما: أنه ليس من المستبعد أن أهل أطرافها الشمالية الغربية قد عرفوا النحاس وعرفوا استخدامه على نطاق ضيق بحكم مجاورتهم لشبه جزيرة سيناء المورد الرئيسي لمعدن النحاس في مصر، ثم بحكم مجاورتهم لجنوب الشام الذي عرف أهله النحاس في وقت قريب من وقت معرفة المصريين به. ويمكن ترتيب مثل هذا الرأي احتمالًا كذلك بالنسب للمناطق الشرقية القريبة من حدود العراق والخليج العربي.
أما الأمر الآخر، فهو مبني على ما لوحظ من وجود شيء من التشابه بين بعض المصنوعات والمظاهر الحضارية في مصر وبين أمثالها في العراق خلال ما قبل العصور التاريخية وفي بدايتها١. ونم هذا التشابه الذي سنشرح تفاصيله في فصول تالية، عن اتصال حضاري وتجاري قديم بين أصحاب الحضارتين. غير أنه لم يكن من الضروري أن يتم مثل هذا الاتصال بين الفريقين بطرق مباشرة دائمًا، بحيث يرتحل من أجله عراقيون إلى مصر بالضرورة أو يرتحل فيه مصريون إلى العراق، وإنما يبدو أن أغلب الاتصالات بينهما كانت تتم عن طريق وسطاء تلقائيين يرتادون المناطق التي تفصل بينهما. وغالبًا ما كان بعض هؤلاء الوسطاء من أهل الشام، ولكن لا يستبعد في الوقت نفسه أن بعضهم الآخر كان من أهل شبه الجزيرة العربية، سواء من أهل أطرافها الشمالية أم من أهل أطرافها الجنوبية. وإذا صح هذا الفرض الأخير، وهو فيما يبدو فرض محتمل، أمكن أن نرتب عليه أن بعض أهل هذه الأطراف العربية قد انتفعوا بالحضارتين وقلدوا بعض أوجه نشاطهما في حدود ما كانت تسمح به بيئتهم وما يسد مطالبهم.
_________________
(١) ١ انظر مراجع حاشية ٢ ص١٨ وحاشية ١ ص٢١، سليمان البدر: الخليج العربي أثناء الألف الرابع ق. م – ١٩٧٢. وراجع المؤلف: الرحلات والكشوف الأثرية في شبه الجزيرة العربية – الكويت ١٩٨١ – ص٦٣.
[ ٣٠ ]