في أولها هلك مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة وعمل القبائح وما أمهله الله. والمليح أنه شهد الوقعة وهو مريض في محفة. نسأل الله العفو.
وكذلك لم يمهل يزيد بن حويه ومات بعد بضع وسبعين يومًا من الحرة. وذلك في نصف ربيع الأول وله ثمان وثلاثون سنة. وكان شديد الأدمة، كثير الشعر، ضخمًا، عظيم الهامة، في وجهه أثر الجدري. كنيته أبو خالد. واستخلف بعهد من أبيه معاوية. فكانت مدته ثلاث سنين وثمانية أشهر.
وعهد بالأمر بعده إلى ابنه معاوية بن يزيد. فبقي في الخلافة شهرين أو أقل ومات. وكان شابًا مليحًا أبيض، فيه خير وصلاح. وعاش إحدى وعشرين سنة. ولما احتضر قالوا له: ألا تستخلف. فامتنع وقال: لم أصب من حلاوتها ما أتحمل به مرارتها.
وأما عبد الله بن الزبير فإنه كان قد أوى إلي مكة ولم يبايع يزيد.
فحاصره أصحاب يزيد ونصبوا المنجنيق على الكعبة ورموها بالنار، واحترق فيها مما احترق قرنا كبش إسماعيل. وقتل في الحصار بحجر المنجنيق المسور ابن مخرمة بن نوفل الزهري، وله صحبة ورواية وشرف. فبلغ ابن الزبير وفاة يزيد، فترحل عنه عسكر يزيد، وبايعه أهل الحرمين بالخلافة، ثم أهل العراق واليمن وغير ذلك، حتى كاد تجتمع الأمة عليه.
[ ١ / ٥١ ]
وغلب على دمشق الضحاك بن قيس الفهري. وفي صحبته خلاف.
فدعا إلى ابن الزبير، ثم تركه ودعا إلى نفسه. وانحاز عنه مروان بن الحكم في بني أمية إلى أرض حوران. فوافاهم عبيد الله بن زياد بن أبيه من الكوفة على البرية منهزمًا من أهلها. فقوي عزم مروان على طلب الخلافة. وجرت أمور طويلة إلى أن التقى هو والضحاك بمرج راهط شرقي الغوطة. فقتل الضحاك، وقتل معه نحو ثلاثة آلاف. وانتصر مروان. وذلك في آخر السنة.
وبايعه أهل الشام. وسار أمير حمص يومئذ النعمان بن بشير الأنصاري لنصر الضحاك فقتله أصحاب مروان.
وفيها توفي بالطاعون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب. وكان جوادًا حكيمًا. عين للخلافة بعد يزيد، وولي إمرة المدينة غير مرة.
وفيها توفي ربيعة الجرشي شهيدًا يوم مرج راهط مع الضحاك. وهو جد هشام بن الغاز. ويقال: له صحبة.
قال أبو المتوكل التاجي: سألت ربيعة الجرشي وكان فقيه الناس في زمن معاوية.
وفيها نقض أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل الحجر في البيت، وكان قد تشقق أيضًا من المنجنيق واحترق سقفه.