في ربيع الآخر سار أمير المؤمنين الحسن بن علي في جيوشه يقصد معاويه. وسار معاوية في جيوشه. فدخل العراق وتنازل الجمعان بمسكن من ناحية الأنبار. فرأى الحسن من عسكره الاختلاف عليه وقلة الخير. وكان سيدًا وادعًا لا يرى سفك الدماء. واتفق أنه وقع في معسكره هوشة وخبطة، ووقع النهب حتى إنهم نهبوا فسطاطه، وضربه رجل من الخوارج بخنجر مسموم في إليته فخدشه. فتألم ومقت أهل العراق. ورأى الصلح أولى، تحقيقًا لقول جده المصطفى ﷺ: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
فراسل معاوية وشرط عليه شروطًا بادر إليها معاوية بالإجابة، ثم سلم إليه الخلافة، على أن تكون الأمر من بعده للحسن، وعلى أن يمكنه أخذ ما شاء من بين المال ليقضي منه دينه وعداته وغير ذلك.
[ ١ / ٣٤ ]
فروى مجالد، عن الشعبي. ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه أن أهل العراق بايعوا الحسن، وسار بهم نحو الشام. وجعل على مقدمته قيس بعد سعد. وأقبل معاوية حتى نزل منبج. فبينا الحسن بالمدائن إذ نادى مناد في عسكره: قتل قيس بن سعد. فشد الناس على خيمة الحسن فنهبوها. وطعنه رجل بخنجر، فتحول إلى القصر الأبيض، وسبهم وقال: لا خير فيكم. قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا. ثم كتب إلى معاوية على أن يسلم إليه بيت المال، وأن لا يسب عليًا بحضرته، وأن يحمل إليه خراج فسا ودارابجرد كل سنة. فأجابه.
فكتب إليه أن أقبل. فسار معاوية من منبج إلى مسكن في خمسة أيام. فسلم إليه الحسن الأمر، ثم سارا حتى دخلا جميعًا الكوفة. وتسلم الحسن بيت المال، وكان فيه سبعة آلاف ألف درهم، فاحتملها وتجهز إلى المدينة، وأجرى معاوية على الحسن في السنة ألف ألف درهم.
وقال عمرو بن دينار: لما توفي علي بعث معاويه عهدًا: إن حدث به حدث ليجعلن هذا الأمر إلى الحسن.
وصح في البخاري عن الحس البصري قال: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال.
فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى يقتل أقرانها.
فقال له معاوية، وكان والله خير الرجلين: أي عمرو. إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور المسلمين؟ من لي بنسائهم وضعفتهم؟ فبعث إليه برجلين عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز في الصلح.
[ ١ / ٣٥ ]
كريز في الصلح
فقال لهما الحسن: إنا بني عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائنا.
قال: وإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك.
قال: فمن لي بهذا؟ فما سألهما شيئًا إلا قالا نحن لك به فصالحه.
قلت: وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية.
وفيها توفي صفوان بن أمية بن خلف الجمحي. أسلم بعد حنين، ثم شهد اليرموك أميرًا. وكان شريفًا جليلًا. وملك قنطارًا من الذهب. وله رواية في صحيح مسلم.
وفيها توفيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر العدوية. عن بضع وخمسين سنة. وصلى عليها مروان أمير المؤمنين. وقيل توفيت سنة خمس وأربعين.
وفيها، فيما قيل، توفي لبيد بن ربيعة العامري الشاعر المشهور القائل:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وفد على النبي ﷺ فأحسن إسلامه. وقيل مات في إمرة عثمان بالكوفة عن مئة وخمسين سنة. قيل: أنه ما قال شعرًا منذ أسلم.