وقد كان المناخ أحد الظروف الجغرافية الرئيسية التي أثرت على المنطقة، وكان المناخ الذي سادها مواتيا للنشاط البشري بشكل ملحوظ. ونحن نستطيع أن ندرك ذلك بصورة واضحة إذا عرفنا أن الخطوات الأولى التي خطاها الإنسان على طريق الحضارة في العصر الحجري القديم. وهو أول العصور الحضارية للمجموعات البشرية، قد عاصرت الدهر البليستوسيتي، وهو أحدث الدهور الجيولوجية في تاريخ الأرض، وكان ابتداؤه منذ نحو نصف مليون سنة ونهايته في أوائل الألف العاشرة ق. م. تقريبا. لقد شهدت الأرض في هذا الدهر أربع فترات طويلة من الزحف الجليدي على المناطق الشمالية من الكرة الأرضية امتدت كل منها عبر عشرات الآلاف من السنين، كانت تناظرها في المناطق الاستوائية أربع فترات من الأمطار السيلية الغزيرة، وهذه ظروف تجعل الهم الأول والأخير للإنسان أن يتفادى قسوتها، ومن ثم لا يمكن أن تكون مواتية لأي نشاط بشري إيجابي سواء في المنطقة الشمالية أو في المنطقة الاستوائية.
[ ٢٧ ]
ولكن على عكس ذلك كانت الظروف الجغرافية في منطقة نشوء الحضارات. لقد كانت هذه المنطقة تقع في مكان وسط بين الظروف الجغرافية القاسية، سواء بسبب الزحف الجليدي في المنطقة الشمالية، أو بسبب الهطول المستمر للأمطار السيلية الغزيرة في المنطقة الاستوائية. وهكذا تمتعت بمناخ معتدل نسبيا لا يعوق النشاط الإيجابي للمجموعات البشرية التي تقطنها، ومن ثم كان تحرك هذه المجموعات لا ينصرف كله إلى مجرد الاحتماء من الظروف الجغرافية القاسية، وإنما أصبح المجال مفتوحا لما يمكن أن نسميه الحوار بين هذه المجموعات البشرية وظروف البيئة التي تحيط بها، تتغلب على صعوباتها تارة وتنتفع بميزاتها تارة أخرى؛ ومن ثَمَّ كانت الإنجازات الحضارية الأولى.
[ ٢٨ ]