على أني أود، رغم ذلك، أن أورد في ختام هذا الحديث عددًا من الملاحظات سبق أن أشرت إلى بعضها، حتى أخلص إلى تصور أرى أنه -في غياب أي دليل فاصل وقاطع في هذا الموضوع- يتفادى على الأقل عددا من نقاط الضعف أو الاعتراضات التي ظهرت في المناقشات التي دارت حوله حتى الآن.
وأولى هذه الملاحظات هي أن افتراض موطن أصلي انطلقت منه هجرات كبيرة، كونت الشعوب التي تتحدث اللغات السامية ليس أمرا ضروريا أو لازما لتفسير التشابه أو التقارب بين هذه اللغات؛ فاللغات أداة تعامل وتداول تنتقل وتؤثر وتتأثر بالحركة والاختلاط والتجاور والتبادل، والهجرات جزء من هذا كله ولكنها ليست كل شيء ولا يمكن أن ينظر إليها على أنها تشكل العامل الوحيد الذي يؤدي إلى ما بين أية مجموعة من اللغات من تشابه أو تقارب.
والملاحظة الثانية هي أن الارتباط بين الهجرات الدورية أو الكبيرة وبين الجفاف والإقفار الذي حل بالمناطق التي انطلقت منها هذه الهجرات أمر وارد، ولكنه لا يشكل مع ذلك حكما عاما أو قاعدة متواترة، فهناك من الشواهد التاريخية ما يثبته، لكن هناك كذلك ما ينفيه، وعلى سبيل المثال فمن
[ ٧١ ]
الشواهد التي تؤيده الهجرات التي انطلقت في القرن الثاني عشر ق. م. من سهوب آسيا الوسطى بسبب عوامل الإقفار والقحط المترتب عليه. واندفعت غربا لكي تستقر في بعض مناطق آسيا الصغرى والقسم الشرقي من أوروبا وليفر أمامها عدد من الشعوب أو الأقوام التي حاولت أن تستقر في مناطق مختلفة على الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط، وقد عرفت هذه الشعوب في التاريخ القديم باسم شعوب البحر٣١. ومن هذه المنطقة "آسيا الوسطى" كذلك انطلقت في القرن الرابع الميلادي قبائل الهون التي أغارت على الحدود الشمالية الشرقية للإمبراطورية الرومانية واستقرت في عدد من مناطق أوروبا الشرقية. والمنطقة نفسها شهدت في القرن الحادي عشر الميلادي انطلاق القبائل التركية التي استقرت في آسيا الصغرى والشريط الساحلي الأوروبي لمداخل البحر الأسود لتؤسس الدولة العثمانية فيما بعد.
ولكن مع ذلك فالتاريخ يقدم لنا، من الجانب الآخر، أمثلة لا يرتبط فيها الجفاف والإقفار بالهجرات الكبيرة أو الدورية، فهناك مناطق انطلقت منها هجرات كبيرة دون أن تتعرض لأي جفاف أو إقفار، وأوضح مثل على ذلك هو هجرات القبائل الجرمانية المتبربرة التي اتجهت من مواطنها الأصلية في شمالي أوروبا لتجتاح حدود الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الميلادي، على أن المنطقة التي جاءوا منها لم تتعرض لجفاف أو للإقفار. كذلك هناك مناطق أصابها الجفاف والإقفار ولم يؤدِّ ذلك إلى هجرة سكانها، وعلى سبيل المثال فقد عرفت مصر عدة فترات من الجفاف والقحط نتيجة لعدم فيضان النيل كانت كل فترة منها تمتد عدة سنوات،
_________________
(١) ٣١ النصوص المتعلقة بهجرات وتحركات شعوب البحر، ترجمة إنجليزية لها وتعليق عليها في: J.Wilson:the war against the people of the G.a،wainwright some. ٢٦٢ - ٢٦٣ صفحات sea "anet" sea-peoples and others in the hittite archives، journal of egyptian archaeology "J.E.A." XXV ١٩٣٩.
[ ٧٢ ]
من بينها فترة على الأقل في العصر القديم ظلت ذكراها متواترة إلى أن أشار إليها القرآن الكريم، وفترة أخرى في العصر الوسيط ذكرها المؤرخون المسلمون. وكان المصريون حسب الانطباع الذي يتركه لدينا القرآن وحسبما سجل المؤرخون المسلمون، يقاسون مقاساة شديدة، ومع ذلك فلم يترك المصريون موطنهم الأصلي ويهاجروا إلى مناطق جديدة. والشيء ذاته نجده في وادي الرافدين، فقد عرفت هذه المنطقة فترات مشابهة من الجفاف والقحط في عصورها المختلفة نتيجة لانخفاض منسوب المياه في نهري دجلة والفرات في وقت الفيضان، وقد وعت ذاكرة السكان في وادي الرافدين القحط، والشدة التي تعرض لها سكان البلاد في تلك الفترات منذ القدم وسجلها التراث الشعبي العراقي القديم فيما تركوه من ملاحم في عصر السومريين والبابليين، ولكن هذه الملاحم لم تذكر ولو مرة واحدة شيئًا عن هجرة سكان وادي الرافدين أو عن تفكيرهم في الهجرة٣٢.
والملاحظة الثالثة هي أنه ليس هناك سبب حقيقي يدعو إلى الافتراض أن كل الشعوب المتحدثة باللغات السامية قد هاجرت بالضرورة من موطن صحراوي أو أن هذه الشعوب قضت في أطوارها الأولى حياة بدوية، والدليل الذي أسوقه في هذا الصدد هو وضع "الأكديين" في وادي الرافدين في العصور القديمة. لقد كان هؤلاء الأكديون شعبا ساميا يقطن المنطقة الزراعية الوسطى في وادي الرافدين التي تمتد بين نهري دجلة والفرات من نهر في الجنوب إلى هيت وسامراء في الشمال تقريبا، وقد ظهروا بشكل قوي على مسرح تاريخ وادي الرافدين ابتداء من عهد الملك سارجون الأكدي "حوالي
_________________
(١) ٣٢ عن إحدى فترات الإقفار والقحط في مصر في العصور القديمة، راجع القرآن الكريم: سورة يوسف، آيات ٤٣ - ٤٨، إحدى فترات الإقفار في العصور الوسطى يشير إليها المؤرخ الإسلامي عبد اللطيف البغدادي. مثال من فترات الإقفار والقحط في وادي الرافدين في العصور القديمة يرد في النصوص الخاصة بالطوفان في النسخة البابلية "أتراخاسيس"، راجع ترجمتها العربية في فاضل عبد الواحد علي: المرجع ذاته، صفحات ٦٠ - ٦١.
[ ٧٣ ]
٢٣٧١-٢٣١٦ ق. م" وإن كان هذا لا يعني أنهم لم يكونوا موجودين في المنطقة قبل ذلك. وقد كانت منطقتهم أكّد تقع إلى شمالي المدن السومرية التي ظهرت منذ فجر التاريخ في جنوب الوادي ورغم أن تداخلا حدث بين الأكديين وبين السومريين قبل عهد سارجون كما يشير إلى ذلك عدد من الألفاظ السومرية التي تبناها الأكديون وعدد من الألفاظ الأكدية السامية التي تبناها السومريون "وهم شعب كان يتحدث لغة لا علاقة لها بالمرة باللغات السامية" إلا أننا لا نجد نصا سومريا واحدا -على كثرة ما عثر عليه من هذه النصوص- يصف الأكديين بأنهم أعداء أو غزاة أو بدو، وهذا يشير إلى أنهم لم يكونوا وافدين إلى المنطقة من الصحراء، وإنما كانوا مستقرين فيها مثلما كان السومريون مستقرين في الجنوب. وفي الواقع فإن هذا الاستقرار يشير إليه أكثر من دليل، فقد كان الأكديون -رغم اختلاف اللغة- يمارسون نفس نمط الحياة الذي كان يمارسه السومريون "ولا غرابة في ذلك فالشعبان تحيط بهما ظروف طبيعية واحدة". فهم يعيشون مثلهم حياة حضرية في المدن والقرى ويشاطرونهم نفس أسلوب الحياة ونفس المعتقدات الدينية. وحين أصبحت السيادة على المنطقتين للأكديين منذ عهد الملك سارجون غيرت هذه السيادة تاريخ وادي الرافدين بأكمله، ولكنه رغم ذلك لم تغير الشخصية السومرية لحضارة وادي الرافدين. ومن بين الجوانب الكثيرة التي تشير إلى هذه الحقيقة جانب المعتقدات الدينية التي ظلت كما هي في مضمونها، وجانب الملاحم البطولية التي ظلت تتخذ محورا لها أبطالا سومريين وجانب الأساطير التي كانت في عهد السياسية الأكدية مجرد ترجمة للأساطير السومرية في أغلب الأحيان٣٣.
_________________
(١) ٣٣ G.ROUX: المرجع ذاته، صفحات ١٣٩-١٤٠.
[ ٧٤ ]