على أن هناك استثناءات لهذا التعميم، يمكن الاعتماد فيها، بدرجات متفاوتة، على بعض ما جاء في هذه الأخبار. ومن بين هذه ما ذكره عبيد بن شرية عن بعض ملوك الحيرة والغساسنة القريبين من ظهور الإسلام، وعن الحملة التي أرسلت من اليمن في عهد السيادة الحبشية إلى الحجاز بهدف تهديم الكعبة "يوم الفيل" وعن سنوات القحط والجفاف وأيام العرب وعدد من الأصنام والطقوس العربية الجاهلية؛ وذلك لأن عبيد بن شرية كان مخضرمًا
[ ٢٣٥ ]
أدرك الجاهلية والإسلام، ومن ثَمَّ قد كان معاصرًا لهذه الأحداث أو على الأقل قريبًا منها.
كذلك من بين ما يمكن أن نعتمد عليه في هذه الكتابات ما جاء في "كتاب الأصنام" لابن الكلبي٤٥ "توفي ٢٠٤هـ - ٨١٩م" عن عبادات العرب في الجاهلية والمعلومات التي أوردها في هذا الصدد عن الأحجار المقدسة والأصنام والأنصاب والأوثان، وعن بيوت العبادات التي كانت تحظى بتعظيم العرب مثل الكعبة وكعبة نجران، وعن طقوس العبادة والحج القديم، وعن اليهودية والنصرانية والحنيفية "وهي بقايا ديانة إبراهيم وإسماعيل -﵉-" التي كانت منتشرة في بعض أقسام شبه الجزيرة. واعتمادنا على "كتاب الأصنام" في هذا المجال هو اعتماد قائم لأن آثار بيوت العبادة السابقة لظهور الإسلام ظلت قائمة في الفترة الإسلامية "وفي الواقع فإنها ظلت قائمة حتى اكتشفها ودرسها علماء الآثار والتاريخ في الوقت الحاضر، مثل معبد المقة، إله القمر عند السبئيين، الذي كان لا يزال يعرف باسم محرم بلقيس على نحو ما فصلت في مناسبة سابقة". ومن ثم فإن الحديث عن الشعائر والطقوس التي كانت متصلة بها كان أمرًا واردًا، والشيء ذاته يقال عن الجزء الثامن من كتاب "الإكليل" للهمداني٤٦ "وهو أحد أجزاء أربعة وصلتنا من هذا الكتاب هي الأجزاء الأول والثاني والثامن والعاشر" وفيه ذكر لآثار اليمن: قصورها ومدنها وسدودها وحصونها وهياكلها، فإلى جانب أن هذه الآثار التي وصفها كانت لا تزال عندما كتب عنها، فإن الكاتب نفسه رجل يمنيٌّ لديه فرصة معاينة هذه الأبنية وفحصها على الطبيعة وفرصة فهمها والتعرف الواسع بها وبما يحيط بها من أجواء ربما أكثر من غيره من الكتاب.
ومن بين ما يدخل ضمن هذه المصادر العربية التي يمكن أن نستقي منها
_________________
(١) ٤٥ طبعة بولاق ١٣٢٢هـ، تصوير الدار القومية ١٩٦٥. ٤٦ تحقيق نبيه أمين فارس، يرنستن،١٩٤٠.
[ ٢٣٦ ]
قسمًا من أحوال شبه الجزيرة العربية في عصر ما قبل الإسلام، المعلومات ذات الطابع الجغرافي، مثل المعلومات التي وردت عند عبيد بن شرية عن بعض مناطق شبه الجزيرة مثل: الأحقاف والحجر ووادي القرى واليمامة. ومن بينها كذلك كتاب "صفة جزيرة العرب" للهمداني٤٧ "ولعله أهم ما كتب في هذا المجال" إذ نجد فيه، إلى جانب حديث الكاتب عن الآثار، وصفا جغرافيا لمناطق شبه الجزيرة وأسمائها التي عرفت في وقت ذكر الكاتب لها، وهي أسماء كانت هذه الأماكن تعرف بها في الجاهلية دون شك، وتحديد لمواقع هذه الأماكن يساعد الباحث في التعرف عليها سواء بالمقارنة مع مع جاء في كتب الكلاسيكيين التي كانت معاصرة لعصر ما قبل الإسلام أو بالمواقع الأثرية التي لا يفتأ المنقبون الأثريون يكشفون عنها من وقت وآخر.
_________________
(١) ٤٧ طبعة القاهرة ١٩٥٣ "نشر محمد بن عبد الله بن بليهيد النجدي".
[ ٢٣٧ ]